المصالحة الوطنية.. كردستان نموذجاً

آراء وأفكار 2013/07/30 10:01:00 م

المصالحة   الوطنية..  كردستان   نموذجاً

عملية سجني أبو غريب والتاجي آخر تفجير لفتح الطريق سالك نحو تداعيات نوعيه جديدة سواء في معسكر القاعدة وبيئتها الإقليمية والمحلية أم الجانب الحكومي الرسمي وتصدع تحالفاته
فالعملية كانت نوعية بامتياز توفرت عناصرها الأساسية واللوجستية وكانت امتداداً حقيقياً للسياسات الإقليمية أو تعبيراً عن تجلياتها على الأقل أو استجابة لاهتزازات محسوبة النتائج .

وبما أن رد الفعل الرسمي مهما يكن لا يرتفع إلى مستوى الحدث عسكرياً حيث كان الموقف دفاعياً بائساً على المستويين السياسي والعسكري ، لما تركته هذه العملية من أثر وإصراره إضافة إلى نتائجها الجيوبولتيكية . وعموماً سوف لا يكون العنف كرد على هذه التحولات أسلوباً كافياً للحد من هذه الظاهرة التي تجذرت محلياً وإقليمياً ورفعت من سقف ومعنويات الأعداء وحلفائهم من صقور الساسة الإقليميين والمحليين . فالعنف لايأتي بغيره بل سيواصل تناسله نوعاً وكماً . 
والمصالحة هنا ليست عملية رد فعل بقدر ما هي ستراتيجية بدونها لا يمكن أن يكون هناك استقرار وتنمية ووطن موحد . هكذا ببساطة. 
ولذلك يتوجب على من يتصدى لها أن يتعظ بغيره وسعيد من اتعظ ،وأبرز موعظة حسنة هي التجربة الكردستانية، فشركاؤنا في الوطن والوطنية تعرضوا ( للأنفال وحلبجة و 4000 قرية مدمرة ووو) وكان هناك كرد ضمن أدوات هذا التدمير أو على الأقل كان بعضهم شهود زور وحلفاء الشيطان كما حالفه أنصاره ،فهم موجودون في أعلى الهرم الرسمي والحربي وصولاً لقواعده . ولذلك تكون محاسبتهم مضاعفة . 
ولكن قالت لهم القيادة الكردية التاريخية الحالية ليس مجرد اذهبوا فأنتم الطلقاء بل وضع عنهم الكثير دماً أو مالاً وحساباً ومركزاً اجتماعياً . 
إن هذا القرار لا يستطيع أن تتحمل ثقله قيادة اعتيادية . وأبرز شروط النهوض بهذا الحمل التاريخي أن يكون صاحب العفو والصفح طرفاً رقم واحد في قائمة المتضررين والمعذبين بحيث تقترن مظلمته مع مستواه القيادي وهذا شرط تتوفر عليه القيادة الكردستانية وهذا ما لا يزايد عليه كردي على آل بارزاني مثلاً . 
فهذه القيادة كانت الخصم والحكم بأرفع مستوياتها فتعادلت بأرقى أشكالها بقرار تاريخي يذكرنا أولاً بنلسون مانديلاً حيث لم يزايد عليه جنوب أفريقي في تحمله وعذابه ولم يرتفع لمستوى قراره العابر للانتقام والثأر بل كان نقلة نوعية من شعب مشروخ تاريخياً إلى موحد بلحمة الشراكة الوطنية والتنمية وهكذا شركاء الوطن كانوا مع أعدائهم . 
هذا الشرط غير متوفر فيمن يتصدى للمصالحة الوطنية في المركز رغم توفر عناصره الموضوعية ولكن كما معروف أن توفر هذه العناصر غير كافٍ مهما تراكمت بدون القيادة التاريخية العابرة للخنادق والألغام والمتجاوزة للفئوية والطائفية . رغم وجود عوائل وأبنائها يتصدون الآن للمصالحة لا يستطيع عراقي عموماً أن يزايد على ما عانوه. ولكن قيود مذهبية أو إقليمية تحول دون ذلك الدور التاريخي قد يكون أشد من القيد الذي حطمه غيرها . 
ولكن استمرار المسلسل الدموي كما لا يلوح في الأفق إقليمياً أو دولياً لا يدعو للتفاؤل كما يجسده النموذج السوري الذي يراد له من قبل صقور الإقليم أن يكون جاهزاً للتصدير ،لأن بروز القوى الإقليمية وهيمنتها لا تتم بدون هذه السياسات على أن تكفل فقط المصالح الغربية وأمن إسرائيل . وهذا بات يعتمد على ضبط إيقاعات القاعدة والسلفية والإخوانية والطائفية عموماً وهذا يبدو لحد الآن باليد الإقليمية أو الدولية . 
أين نحن من هذه السيناريوهات ؟ فالمقارعة المباشرة أو الدخول لشراكات إقليمية في هذه السيناريوهات بات أمراً يدل على قصر النظر، ومهما نكن فإننا الطرف الأصغر لأي جهة إقليمية ، فما هو المانع من حسم موضوع الاجتثاث والمساءلة والتجريم واللذين هما مفتاح المصالحة الوطنية والسير على خطى الإقليم والتكامل معه لأنه بدون تكامل سوف ينفرد غيرنا فيه ويجره مانعاً تكامله ويتم الحسم بإعلان على الملأ من قبل المتضررين الكبار في السياسة بالمسامحة كما تسامح منديلا وبارزاني عن كوارثهما كحجر أساس وقدوة حيث لا يزايد احد وكذلك تعلن أحزاب الدعوة والفضيلة والإسلامي وباقي المتضررين القادة من تركمان وكلدوآشوريين وإيزيدية وصائبة مندائيين على المستويين الديني والسياسي . 
بدون المصالحة لا يكون استقرار وتجربة عقد من الزمان كافيه وإجابتها شافية ،كما أن الأجهزة الخاصة الآن بالمصالحة لديها ما تقوله من المؤكد في ضوء هذه الرحلة المؤلمة عديمة النتائج الإيجابية . 
كما أن الدولة لحد الآن بذخت وعوضت متضرري النظام السابق بشكل مؤسس ودائم و ليس الضحايا على استعداد لتخريبه وأمامهم فقط أن يتصالحوا لأنهم كفاهم ما كفاهم . 
إذا أريد للبلد أن يستقر وينمو ويؤسس لدولة خدمات بفضل الريع النفطي واحتمالات تحول الريع إيجاباً بإقامة صناعة وزراعة فهذا أيضاً لا يتم بدون استقرار المصالحة وتكافؤ الشركاء والتكامل مع الإخوة الكرد لأن الاقتصاد الريعي والدولة الريعية قاعدة للاستبداد والتخلف ،أملين أن نرى صدى لهذا الرأي المتواضع البسيط ، حيث أصبح الأمر كله مرهوناً بعلاقتنا بالقاعدة وبيئتها الخاصة التي هي عمود خيمة التطرف والتمزق والصوملة أو اللبننة أو السورنة القادمة ،لاسيما وأننا نعلم جيداً أن وحدة العراق وديمقراطيته لا تسر كثيراً أطرافا مهمة في الإقليم كما أن قوتنا لا تسر كثيراً حليفنا الدولي رقم واحد . وهذا قدرنا فلنكن بمستواه . 
ونلملم جراحنا ونبني ديمقراطيتنا وكهرباءنا وبنيتنا التحتية التي تراوح بين خانتي الفساد والإرهاب من جهة وخانة هويات ما قبل الدولة الحديثة . بدولة خدمات و تنمية مستدامه . ونزيح نهائياً ألغامنا السياسية والدستورية والعنصرية والطائفية بإرادة وطنية لا تحركها أحقاد وثارات ولا أجندات الغير.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top