الثقافة في الثورة

آراء وأفكار 2013/08/27 10:01:00 م

الثقافة في الثورة

الثورة لم تغير النظام لكنها غيرت الشعب، هذا قول شائع بين شباب الثورة الذين لمسوا التأثير المباشر للثورة على وعيهم ورؤيتهم للعالم، وشاهدوا بعضا ممن كنا نسميهم أعضاء حزب الكنبة ينزلون بالآلاف إلى الشوارع في 30 يونيه و26 يوليو.

وبعد أن كانت السياسة من وجهة نظر هؤلاء هي «شغل» السياسيين أصبحوا هم أنفسهم مشتغلين بالسياسة، متابعين لكل تفاصيل الحياة السياسية يلتمسون الطرائق للانخراط في منظمات ولهم آراؤهم في أداء الحكومة ووزرائها وزيرا وزيرا، ويعرفون على وجه اليقين أن هناك مسافة كبيرة بين تشكيلة الحكم القائم وبين أهداف الثورة التي تبلورت في أربعة شعارات رئيسية «عيش - حرية - عدالة اجتماعية - كرامة إنسانية».
كذلك تغيرت بعض المؤسسات الكبرى وعلى رأسها الشرطة التي تعلمت جيدا درس ممارستها ضد الثورة في الموجة الأولى منها في 25 يناير 2011، والآن وبعد الموجتين الجديدتين من الثورة بذلت الشرطة جهودا كبيرة جدا لتضع شعارها المستعاد وهو الشرطة في خدمة الشعب موضع التنفيذ.
ومن أبرز ما يمكن أن يلاحظه أي مراقب في المرحلة الأخيرة هو هذا الوعي بالقدرات الكامنة للشعب لدى قطاعات واسعة جدا من الجماهير من مختلف الأعمار والطبقات والفئات.. «ولن نسكت بعد اليوم» نسمع هذا التعبير كثيرا على ألسنة مختلفة من عامل الجراج إلى أستاذ الجامعة، من نساء ورجال شاركوا أو لم يشاركوا في العمل الثوري، ذهبوا إلى التحرير أو لم يذهبوا لو كانوا قاهريين، وهي حالة إيجابية تنبئنا بأن الثورة مستمرة إذ أن بعض ما سكتنا عليه طويلا من فساد واستبداد ما يزال قائما، وماتزال القوانين المقيدة للحريات موجودة كما هي رغم أن الثورة الشعبية كانت قد أسقطتها واقعيا حتى أن سلطة مهما كانت قوتها لا تستطيع أن تطبق أي منها في ظل الحالة الثورية القائمة في ذروتها.
لكن البقاء عند الذروة لن يطول، وسوف يبدأ الهبوط من هناك تدريجيا، خاصة بعد أن تنتهي أجهزة الأمن من اجتثاث الإرهاب من جذوره وتمهيد التربة الوطنية لمرحلة جديدة، وسوف يلعب الوعي بالقدرات الذي تشكل وتعمق أثناء الثورة دورا كبيرا جدا في وضع الأهداف الرئيسية للثورة موضع التنفيذ لأنه لن يتسامح مع أي سلطة تؤجل هذا الإنجاز لسبب من الأسباب، خاصة بعد أن تسامح طويلا مع الحقوق والمطالب الفئوية التي قرر بوعي وكرم تأجيل المطالبة بها إلى أن تخرج البلاد من معركة اجتثاث الإرهاب.
كانت جارتي الأستاذة «نادية حسين» وكيل الوزارة السابق في الآثار هي التي لفتت نظري إلى حقيقة أن البلاد لم تشهد منذ الثلاثين من يونيو أي احتجاجات أو مطالبات فئوية، وهي ترى أن هذا التراجع لصالح القضية الوطنية العامة هو تعبير عن وعي عميق بالمسؤولية، عبرت عنه كل الفئات الشعبية التي تعيش حياة بالغة الصعوبة حيث يتفشى الفقر والبطالة وانفلات الأسعار مع الأذى المباشر الذي تلحقه جماعات الإرهاب بالمواطنين.
خرج هذا الوعي الجديد الذي أنضجته نار الثورة على كل التجليات الزائفة التي ينتجها المجتمع القائم على الانقسام الاجتماعي والتسلط الطبقي، وترفض الثورة مبدئيا هذا الانقسام والتسلط اللذين يعتبرهما الوعي الجديد حالة مؤقتة لأن الثورة مستمرة حتى الإطاحة بهما ولو بعد زمن وتضحيات هائلة، وبعد أن تجذب الثورة إلى صفوفها ملايين الفلاحين الذين لم يشاركوا فيها حتى الآن إلا كأفراد، ومن المؤكد أن قوة الفلاحين بعد أن تنتقل إليهم شرارة الوعي بالذات والقدرات التي أشعلتها الثورة، سوف تكون إضافة باهرة للنضال الثوري حيث تلتقي مكونات الإنسانية المضطهدة والمعذبة في سعيها لتغيير هذا الواقع البائس بوضع أهداف الثورة موضع التنفيذ.
وتتشكل الآن في ظل هذا الواقع الثوري ثقافة جديدة وإبداع جديد ينمو بنمو الثورة وينهل من طاقاتها اللانهائية ومن خيالها المبهر، وسوف يأتي يوم قريب يوثق فيه الشباب كل أشكال الإنتاج الثقافي الذي قدمته الثورة من الجرافيتي إلى المسرح، ومن الموسيقى إلى السينما، ومن الرواية إلى الشعر إلى الرسم والنحت، وسوف يلحظ الموثقون والراصدون أن الموجة العدمية التي ارتبطت بجانب من فلسفة ما بعد الحداثة قد تراجعت وكادت تتلاشى، إذ أننا الآن أمام المبدع الفاعل لا المحبط، المغرد ولا الباكي، المبدع الذي حررته الثورة من أسر التجليات الزائفة للوعي فأخذ يقبض على وعيه الجديد كالقابض على الجمر، إن المثقف يقوم بمهمة الآن فهو ليس متفرجا، بل إن المثقف الثوري يجذب إليه كل اللامبالين.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top