تحرّك حكومي متأخر نحو كارثة التشوّهات الخلقية والسرطانات

آراء وأفكار 2013/08/31 10:01:00 م

تحرّك حكومي متأخر نحو كارثة التشوّهات الخلقية والسرطانات

أخيراً وبعد صمت طويل، مقروناً بعدم اكتراث مكشوف طوال  عقد كامل من الزمن، أعلنت الأمانة العامة لمجلس الوزراء عن تحرك  نحو كارثة التشوهات الولادية  والسرطانات في العراق. فقد نشرت الأمانة على موقعها بياناً في 18/8/2013 جاء فيه نصاً:
"قامت  دائرة المتابعة والتنسيق الحكومي في الأمانة العامة لمجلس الوزراء بمتابعة ظاهرة التشوهات الخلقية في محافظة الأنبار مع الجهات ذات العلاقة وجاءت هذه الخطوة نتيجة إعلام وزارة حقوق الإنسان دائرة المتابعة عن وجود حالات تشوهات  خلقية لدى المواليد الجدد في محافظة الانبار. وبين مصدر في الدائرة انه تم اتخاذ سلسلة  إجراءات مع الجهات المعنية ذات العلاقة والخروج بعدد  من التوصيات بهذا الخصوص ابرزها قيام الفرق الفنية لوزارة البيئة بإجراء المسوحات الإشعاعية لجميع المواقع المتعرضة للقصف وإحالة النتائج إلى وزارة العلوم والتكنولوجيا باعتبارها الجهة التنفيذية,  وإجراء فحص نماذج المياه والتربة وتشكيل فريق من الوزارة لمتابعة  الحالات المرضية السرطانية في المنطقة , إضافة ً إلى قيام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بشمول الضحايا بخدمات الوزارة". وأشار البيان إلى "قيام وزارة العلوم والتكنولوجيا بإجراء المسوحات على أكثر من 400 نموذج بايولوجي , وان الوزارة بصدد تقديم مشروع استثماري بعنوان ( بناء قاعدة مادية وبشرية في مجال الاختبارات الوراثية والجينية ) .من جهتها أكدت وزارة الصحة على أهمية وجود مركز للكشف المبكر والتعامل مع حالات العيوب الولادية ضمن أقسام الأطفال في المستشفيات كافة وإجرء الفحوصات الاختصاصية بالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية بهذا الموضوع"   
     هذا التحرك وتحديداً الإجراءات المعلنة ضمنه كان يفترض ان تتم قبل سنوات عديدة،وقبل ان تستفحل الأمور. ومع هذا ستقابل الإجراءات بالترحيب والتثمين إذا نفذت عاجلا وتمخضت عن نتائج موضوعية وكشفت عن الأسباب الحقيقية لانتشار الأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية وأظهرت بصدق دور اليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض في الحالات المرضية المنتشرة.
    من هذا المنطلق نبدي الملاحظات السريعة  الآتية :
أولاً- مع ان التحرك الحكومي هذا جاء متأخراً جداً، إلا أنه مع ذلك "جاء في وقته" تماماً، حيث تماطل منظمة الصحة العالمية في الإعلان عن النتائج التي توصلت إليها الدراسة التي قامت بها بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية  التي دامت نحو ثلاثة أعوام وشملت 10800 عائلة من 6 محافظات عراقية هي البصرة وذي قار والأنبار وبغداد وديالى والسليمانية. وكشفت الدراسة- حسبما تسرب من معلومات إلى الصحافة الغربية- عن زيادة هائلة في التشوهات الولادية في العديد من المحافظات..
   وعدا هذا،رفضت منظمة الصحة العالمية الإفصاح عن صلة التشوهات الخلقية باليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض وغيرها من المواد السامة المستخدمة في أسلحة الحرب على العراق، بذريعة " أن إقامة صلة بين انتشار العيوب الخلقية والتعرض لليورانيوم المنضب يحتاج إلى مزيد من البحث من قبل الوكالات والمؤسسات المتخصصة"..ولم توضح المنظمة طبعاُ  ما الذي منعها من القيام بالبحث المطلوب طيلة الأعوام المنصرمة. حيال هذا، رفض هذا التبرير العديد من العلماء من دول عديدة، وأعتبره محللون ومراقبون معنيون فضيحة تعري ما تتعرض له منظمة الصحة العالمية من ضغوط وتضع مصداقيتها العلمية على المحك من جديد إن رضخت وخنعت لها..     
لو أنجزت التوجيهات الواردة في بيان الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وتحديداً المسوحات الإشعاعية لكل المناطق المقصوفة، وإجراء فحوصات لنماذج المياه والتربة الملوثة، ومتابعة الحالات السرطانية والتشوهات الولادية، وإجراء تحاليل للمرضى الأحياء من المناطق المقصوفة بحثاً عن اليورانيوم المنضب والمعادن السامة الأخرى، وإعلان النتائج  الكاملة على الملأ، فان الحكومة العراقية ستستجيب لحق ضحايا الأسلحة الأمريكية والبريطانية من أبناء وبنات شعبنا بمعرفة ذلك، وستوجه ضربة موجعة للمضللين والمتواطئين ولكل الأبواق الزاعمة  بـ " عدم" وجود أضرار للأسلحة المستخدمة على الصحة.
   فهل سيتحقق ذلك ؟
ثانياً- تجاهلت منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العراقية، ولا نعلم لمصلحة مَن، نتائج الأبحاث التي أجريت في العراق أو على ضحايا عراقيين،  التي أجراها علماء وخبراء وباحثون مختصون، معروفون عالمياً، مثل:العالم الأمريكي/ الكرواتي أساف دوراكوفيتش والعالم الكندي تيد ويمان والعالم الألماني سيغفرت-هورست غونتر والعالم العراقي محمد الشيخلي وغيرهم  من خبراء  مركز البحث الطبي لليورانيوم ( مركز دولي مستقل،مركزه في الولايات المتحدة وكندا، وله فروع في عدة دول أوروبية)، الذي أجرى في أيلول 2003 دراسة إشعاعية علمية واسعة شملت بغداد وضواحيها وكافة مدن وسط وجنوب العراق ووجدت انتشار التلوث الإشعاعي عقب توقف حرب عام 2003 بخمسة أشهر في أرجاء العراق وقد بلغت معدلاته في بعض المناطق أكثر من 10- 30 ألف مرة المعدلات الطبيعية.ورئيس المركز دوراكوفيتش هو أول من كشف الصلة بين "أعراض حرب الخليج" وذخائر اليورانيوم المنضب..
   وقبل ذلك بعامين أجرى العالم الفنلندي كيث بافرستوك- كبير خبراء الإشعاع في منظمة الصحة العالمية سابقاً،وزملاؤه، دراسة علمية هامة حجبتها منظمة الصحة العالمية ومنعت نشرها بتوجيه من الإدارة الأمريكية،أثبتت بان استنشاق ذرات غبار اليورانيوم المنضب يولد آثارا سمية جينية على الحامض النووي في الخلية DNA، تنتشر من الرئة إلى أجزاء الجسم عن طريق الدم وتتسبب بأضرار بالغة في نخاع العظم والجهاز اللمفاوي والكلى. بسبب تواطؤ المنظمة هذا ترك البرفيسور بافرستوك العمل فيها..
   وفي ما بعد أجرى العالم البريطاني كريس باسبي- السكرتير العلمي للهيئة الأوروبية للوقاية من الإشعاع، وعالمة الجينات الإيطالية باولا بانوكا، وخبيرة السموم البيئية بجامعة ميتشيغان الأمريكية مزهجان سافابي أصفهاني، وغيرهم ، دراسات هامة على ضحايا عراقيين.
    وقبل الجميع نبه أطباء وباحثون عراقيون إلى كارثة السرطانات والتشوهات الولادية ،منوهين إلى صلتها بأسلحة اليورانيوم والفوسفور الأبيض والمخلفات الحربية المنتشرة في أرجاء العراق.وأجريت في العراق العديد من الدراسات العلمية الرصينة، وحذر علماء وخبراء من أن المناطق المقصوفة بتلك الأسلحة ستبقى ملوثة أعوام طويلة جداً، وأن آثارها وتأثيراتها الخطيرة على الإنسان والبيئة والحيوان ستتزايد باستمرار مع مرور الزمن ما لم تتخذ الإجراءات الخاصة بالتخلص من تلك النفايات المشعة ومصادرها.
   تأكيداً لما مر، ندعو المعنيين الاطلاع على بحثنا في العدد القادم من مجلة " الثقافة الجديدة"،الذي سيصدر في تشرين الأول القادم، وأبحاثنا في الأعداد:353-354،تشرين الثاني 2012 و 340-341، تشرين الثاني 2010 و 336، اَذار 2010 من نفس المجلة،وعشرات المقالات المنشورة لنا في " الحوار المتمدن" و"الطريق" و "صوت العراق" و"الناس" و"الأخبار" وغيرها، وسيتعرفون فيها على كم  من المعلومات الهامة بالاستناد إلى دراسات علمية رصينة ذات علاقة باليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض والتلوث الإشعاعي والتداعيات الصحية، خاصة السرطان والتشوهات الخلقية في العراق،إضافة إلى ما سيجده الباحثون فيها من مصادر علمية كثيرة، مهمة ومفيدة لأبحاثهم.
ثالثاً- نصت التوجيهات الواردة في بيان الأمانة العامة لمجلس الوزراء على اتخاذ سلسلة إجراءات، أبرزها قيام الفرق الفنية لوزارة البيئة بإجراء المسوحات الإشعاعية لجميع المواقع المتعرضة للقصف وإحالة النتائج إلى وزارة العلوم والتكنولوجيا باعتبارها الجهة التنفيذية, وإجراء فحص نماذج المياه والتربة وتشكيل فريق من الوزارة لمتابعة  الحالات المرضية السرطانية في المنطقة..      الصياغة مرتبكة، ومع هذا، فهي تؤكد  ان وزارة البيئة لم تقم لحد الآن بإجراء مسوحات إشعاعية لجميع المواقع المتعرضة للقصف ..فأين كان مركز الوقاية من الإشعاع التابع لوزارة البيئة الذي تباهى ً مسؤولون متنفذون في قيادته وفي الوزارة مراراً وتكرارا بأن فرقه  مؤهلة ومجهزة بأحدث المعدات ؟ وماذا كان يعمل طيلة عقد كامل ؟ ولعل الأخطر: لماذا وعلى أي أساس أعلن المركز مراراً بان " العراق خالٍ من التلوث الإشعاعي" ؟!!
   إن المسؤولين المتنفذين في وزارة البيئة وفي مركز الوقاية من الإشعاع هم المسؤولون عن التلكؤ في مهمة المسح الإشعاعي وفي الترويج لمزاعم "خلو " العراق من التلوث الإشعاعي. وهم المسؤولون عن مفارقة مناكدة وزارة البيئة لوزارة العلوم والتكنولوجيا في العديد من القضايا المتعلقة بمناطق ملوثة وبمصادر الإشعاع.. نستطيع ان نسرد أمثلة عديدة، ولدى وزارة العلوم والتكنولوجيا، تفاصيل وافية..وكل هذا أفقد الوسط العلمي في العراق الثقة بمركز الوقاية من الإشعاع وبالنتائج التي يتوصل إليها.
رابعاً- في ضوء تجربة العقد المنصرم وأحداثها وما شابها من تخبط وتشويه للحقائق،سببت فقدان الثقة، نعتبر إناطة مهمة إجراء المسوحات الإشعاعية بوزارة البيئة مهمة محكوم عليها بالفشل لأن النتائج التي سيقدمها مركز الوقاية من الإشعاع معروفة سلفاً. ولذا نطالب بان تقوم بالمهمة فرق مشتركة،يستبعد منها كل من شارك في فحوصات زعمت نتائجها " خلو" العراق من الإشعاع، وان يقود الفرق المشتركة خبراء من وزارة العلوم والتكنولوجيا، وطلب مساعدة برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومركز البحث الطبي لليورانيوم Uranium Medical Research Centre في هذا المضمار، لضمان مصداقية النتائج..   بعكسه، فان التحرك الحكومي المتأخر هذا سيعتبر بمجمله مجرد دعاية انتخابية أو ما هو إلا "عربون" ضمن المساعي الرامية لحصول المالكي على ولاية ثالثة لحكمه..
خامساً- ورد في بيان الأمانة العامة بأن وزارة الصحة أكدت على أهمية وجود مركز للكشف المبكر والتعامل مع حالات العيوب الولادية ضمن أقسام الأطفال في المستشفيات كافة واجرء الفحوصات الاختصاصية بالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية بهذا الموضوع ..هنا نسأل وزارة الصحة:
    لماذا ولمصلحة مًن  تشارك في فضيحة منظمة الصحة العالمية بعدم التصريح بالأسباب الحقيقية  للتشوهات الخلقية والسرطانات المنتشرة في العراق خلال العقدين المنصرمين ؟
   ولماذا تواصل وزارة الصحة التعتيم على حجم الإصابات والوفيات الناجمة عن السرطان، مكررة بان معدلات السرطان في العراق " ضمن المعدلات الطبيعية "،وأنها " أقل المعدلات في العالم"، ضاربة عرض الحائط بكل الوقائع والحقائق ؟    
وهذا ما سنفضحه لاحقاً
* أكاديمي عراقي مقيم
في السويد

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top