عراقية الريع النفطي.. ما العمل؟

آراء وأفكار 2013/09/01 10:01:00 م

عراقية   الريع   النفطي..  ما العمل؟

يعرف الريع اصطلاحاً بأنه دخل مضمون لمدة طويلة. وكمفهوم اقتصادي عام يعني إيرادا دون سعي أو عمل . والريع مفهوم متعدد الجوانب، تطور عبر الزمن لكنه بقي محافظاً على جوهره مع تعدد أشكال ظهوره ، بأنه الدخل غير الناتج من العمل. 

وأبرز أنواع الريوع في الوقت الحاضر ريع النفط أو الغاز ثم المناجم كهبات من الطبيعة. وقد عانت دول كثيرة من إشكالية الريوع وكيفية استثمارها أو تبديدها أو الاستئثار بها من قبل شريحة معينة . وأكثر ما يغري بالتمادي في التبديد نتيجة السياسات الرعناء أو السياسات غير الحكيمة هو تزايد الإنتاج مع تزايد الأسعار، كما هو حاصل خلال فترة بداية الألفية الثالثة ، حيث ظهرت أسواق عملاقة زادت من الطلب عليه في جنوب شرقي آسيا خصوصاً كاقتصادات ناهضة .

 

في العراق بلغ مجموع الإيرادات النفطية للفترة 1965 ــ 2002 أكثر من 266 مليار دولار ، ونتيجة للقفزة النوعية في الأسعار بلغت الإيرادات للفترة 2003 ــ 2010 أكثر من 260 مليار دولار ، إن أي إيراد سبع سنوات عادلَ تقريباً إيرادات 37 سنة . ولكن كما عانينا في الماضي بسبب هذه الثروة من حروب داخلية وخارجية وطغيان الأنظمة الدكتاتورية، كانت لنا معاناة مماثلة تقريبا في العهد الجديد أيضا.
من 260 مليار دولار إيرادات السنوات السبع ( 2003 ــ 2010 ) تم تهريب 130 مليار دولار إلى الخارج، وكان التهريب نتيجة لتزاوج السلطة وهذه الثروة من خلال عدم كشف الذمم المالية لأصحاب الدرجات الخاصة من كبار المسؤولين في الدولة، وهو ما تشتكي منه هيئة النزاهة، حيث بلغ عدد المسؤولين الهاربين خارج العراق 37 وهم 3 وزراء و 9 مدراء عامين و 25 دون درجة مدير عام يمتلك أغلبهم جنسيات غير عراقية.
وهناك زوجة ثانية لسلطة الفساد تتحالف معها تلقائياً تتمثل في الإرهاب، فقد أنفقت الحكومة للفترة 2006 ــ 2011 ما يزيد على 64 مليار دولار . وقد تجسد التحالف الثلاثي: إرهاب / فساد / ثروة / في ما جرى من عملية نوعيه تجاوزت سابقاتها، هي هروب، أو تهريب مئات الإرهابيين من سجني التاجي وأبو غريب . 
السؤال الملحّ الآن هل مجرد وجود ريع نفطي يساوي ضياع الحكمة في العمل السياسي وبعد النظر ؟ وهل هذا الريع يقترن دائماً بالدكتاتورية أو الانفراد بالقرار ؟ وهل هناك وسائل لإعادة هيكلة الاقتصاد والإدارة بما يضمن ترشيد العمل السياسي ؟ 
قبل الإجابة على هذه التساؤلات لا بد من التعريج على محاولات كبح جماح الفساد الذي هو جذر المشكلة سياسياً وأمنياً، فمن خلال نشاط النزاهة بجناحيها التحقيقي والوقائي يبدو أن الأمر أصبح كرة ثلج تكبر وتتقاذفها تيارات وشبكات مصالح ومراكز قوى لا يمكن لجمها . فمثلاً فقط هذا العام أو خلال النصف الأول منه تمت إحالة 2541 متهماً بالفساد إلى القضاء. وبما أن كرة الثلج يتقاذفها الشركاء المتحاصصون، فالجميع إذاً متشاركون في الأرقام أعلاه كلاً حسب مقاعده في البرلمان وحقائبه في الوزارة . فكما هو معلوم أن البنية التحتية مازالت معطلة لأسباب مالية، وهكذا مشكلة الكهرباء ومشكلة السكن، والأهم ألغام البطالة التي توحد كل هذه الهموم وتكون قاسماً مشتركاً بين الفساد والإرهاب، فالفساد أفرز البطالة ،والإرهاب استثمر فيها وجنّد من جنّد بأغطية أيديولوجية أو بارتزاق . 
لكن الريع ليس بالضرورة عامل فساد ودكتاتورية، فلدينا تجربة قريبة هي تجربة إقليم كردستان ، فلديهم 17% من هذا الريع حسب نسبة سكانهم لكنهم لا يعانون من ثنائية الفساد والإرهاب كما نعاني ولا يعانون من مشكلة التحاصص التي أفرزت أكبر المتحاصصين. كما أن هناك تجارب دول ريعية اخرى مثل فنزويلا التي استطاعت أن تنهض باقتصادها بواسطة النفط ، والنموذج الكويتي أكثر ديمقراطية من جيرانه . 
من الناحية الدستورية لا بد التعجيل في تجسيد الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم حسب ما ورد في المادة ( 114 ) من الدستور، وأن تقتصر صلاحية المركز فعلاً على ما جاء في المادة ( 110 ) من الدستور . 
أما من الناحية الاقتصادية ونظراً لتعطيل719 مشروعا حكوميا وحوالي 40 ألف مشروع أهلي فلابد من إحياء هذه المشاريع بموجب ميزانيات المحافظات والإقليم . في بابل مثلاً تتولى الحكومة المحلية إعادة الحياة إلى مشاريع النسيج والذرة البيضاء ومعامل التمور والدبس، وفي الموصل يكون العمل على إحياء معمل السكر وباقي معاملها وورشها . وفي البصرة تتركز عملية الإحياء على مشاريع البتروكيماويات والصلب والصناعات النفطية . هذا هو الضامن الوحيد لحسم ملف البطالة وقطع الطريق على المركزية والبيروقراطية . وتتم في ضوء ذلك إعادة هيكلية المشاريع الحكومية عموماً من خلال توسيع قاعدة ملكيتها عن طريق تحويل الشركات العامة إلى خاصة بنظام ( E . S . O . P ) لوضع حد للفساد والبطالة المقنعة في الشركات والمصانع . وكذلك هناك نظام بيع حصص وأسهم المعامل والشركات إلى المواطنين كما حصل في تشيكوسلوفاكيا، فقد وزعت 35 ــ 40% من إجمالي الأصول تجنباً لمشكلة التقييم . كما أن البنك الدولي وحسب تقاريره أفاد بأن الشركات الحكومية الحالية بإمكانها أن تكون قناة رئيسية لاستيعاب العاطلين على الأقل للسنوات القادمة . 
لابد من كسر الحلقات المفرغة في التعامل مع الفساد أو الإرهاب أو مركزية السلطة من إعادة هيكلية الإدارة والاقتصاد مما يكيف العمل السياسي معه، ومسلتزمات التكيف معروفه قانونياً ودستورياً بديلاً عن التداعيات الإقليمية والمحلية المتجاوبة بعد أن فقد المتجاوبون صلتهم بوطنهم فلم يعودوا له إلا بمصالحة جريئة عابرة للأحقاد والطوائف ومنطق الفرق الناجية مع إعادة إنتاج اقتصاد متوازن زراعياً وصناعياً ثم قطاع الخدمات ليكون في خدمة القطاعين الزراعين والصناعي وليس على حسابهم كما هو الآن من خلال الاستيراد العشوائي وفروقات العملة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top