هل إزاحة المالكي تحلّ مشاكل العراق ؟

آراء وأفكار 2013/09/01 10:01:00 م

هل إزاحة المالكي تحلّ مشاكل العراق ؟

في الآونة الأخيرة بدأت تزداد الكتابات والدعوات لتنحية ـ البعض يقرأها إسقاط ـ نوري المالكي عن رئاسة الحكومة العراقية، والأمر يتعلق بالأوضاع التي وصلها العراق خلال فترة إدارته مجلس الوزراء في دورتين انتخابيتين للبرلمان، بدأها عام 2006، حيث تزداد الأوضاع الأمنية تدهورا، فالدائرة الجغرافية للعمليات الإرهابية اتسعت وأساليب الإرهابيين في تنفيذ أعمالهم التي تحصد أرواح العراقيين دون تمييز بالطائفة أو القومية تطورت. وكل ذلك مصحوب بسوء إدارة الدولة واستشراء الفساد الإداري والمالي في كل مفاصلها، يرافقه تخبط الحكومة وسياسة التسويف والتلكؤ في حل المشاكل والقضايا العالقة، ومعها يتفاقم الصراع السياسي بين الأطراف المتنفذة وتتعمق الهوة في ما بينها مما يغذي سياسة التصعيد الطائفي، في لعبة كر وفر لا تنتهي، بينما المواطن العراقي المهمش وذو الدخل المحدود، والضحية الأولى لنشاط الإرهابيين، يعاني الويل من عدم توفير الخدمات وفي المقدمة منها الكهرباء، رغم كل الوعود المقدمة من المالكي الذي يحمل من الألقاب في إدارة الدولة ما يفوق أي حاكم آخر في المنطقة، فهو رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ويدير بالوكالة وزارات، الدفاع والداخلية ومعها وإلى جانبها عدد لا يستهان به من مؤسسات الدولة ومنها مؤسسات أمنية !

لا يمكن التغاضي أيضا عن أنه وفي ظل التطورات الجارية في عموم المنطقة والتداعيات في مجمل الأحداث، فإن هناك دعوات مكشوفة لإسقاط المالكي من قبل أطراف تستند إلى دعم إقليمي هدفها الأساس إسقاط العملية السياسية في العراق ، هذه الدعوات صارت مكشوفة إلى درجة أن أصحابها لا يملكون القدرة للتستر على أنفسهم ودعمهم للجماعات الإرهابية فصاروا حجة بيد نوري المالكي وأنصاره ومبررا دائما لكل ما يجري في العراق، مما جعلهم لا يكلون من الحديث عن المؤامرة ، التي تهدف عبر عمليات إرهابية وإشاعة عدم الاستقرار والفوضى، القيام بعمل انقلابي والعودة إلى النظام السابق .
السؤال الذي يتكرر في البال، وتصدّر هذا الكلام : هل تنحي نوري المالكي عن مواقعه الحالية يحل مشاكل العراق؟
أيام محاكمة الدكتاتور المقبور صدام حسين، دعوت شخصيا، إلى جانب كثيرين، إلى ألا يحاكم المجرم كفرد، بل ان تتحول محاكمته إلى محاكمة للنهج والفكر "القومانجي" الشوفيني ــ وهذا غير الفكر القومي ــ الذي أنتج النظام الديكتاتوري، ووفر الفرصة لمجرم دموي سادي اسمه صدام حسين ان يكون على رأسه، فربما كان يمكن ووفقا لطبيعة الصراعات والتوازنات داخل حزب البعث العربي الاشتراكي الفاشي، ان يكون المجرم صالح مهدي عماش أو المجرم ناظم كزار أو أي من الأسماء المجرمة الأخرى، لأن تتولى المراكز الأولى، فتسعى لتنفيذ سياسات هذا الفكر "القومانجي" الشوفيني الشمولي. ومن بعد التغيير في عام 2003 ، استبشر العراقيون وأصدقاؤهم خيرا وأملوا مجيء نظام سياسي مختلف، يؤمن بالديمقراطية والتعددية والعدالة الاجتماعية ويبني دولة القانون والمؤسسات الدستورية، يضمن الفصل بين السلطات، وتأمين استقلال القضاء، وتفعيل مبدأ المواطنة ومساواة المواطنين أمام القانون وضمان تمتعهم بحقوقهم وحرياتهم العامة والخاصة، كما جاءت في الدستور ولائحة حقوق الإنسان الدولية ، لكن سلطات الاحتلال ، التي كان لها اليد العليا في إزاحة نظام الديكتاتور صدام حسين، زرعت وصنّعت لنا نظاما على أساس المحاصصة الطائفية والإثنية، الذي جاء ، ضمن ماجاء به ، بنوري المالكي إلى سدة السلطة!
حين بدأت مسيرات الاحتجاج في البلدان العربية، وما عرف بـ "الربيع العربي" كان الشعار الأساس، الذي سرى كالنار في الهشيم، هو "الشعب يريد إسقاط النظام "، فالشعوب المقهورة ومن خبرتها التأريخية تدرك جيدا، أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك أو اليمني علي عبد الله صالح وغيرهم ، لم يكونوا سوى رؤوس هرم لأنظمة فاسدة، استباحت كرامة الناس والبلاد وانتهكت القوانين السماوية والأرضية. وفي العراق حين بدأت المسيرات الشعبية والشبابية الاحتجاجية، رفعت شعار "الشعب يريد إصلاح النظام"، إذ كان شباب العراق يدركون جيدا ان ثمة خللا لابد من إصلاحه في العملية السياسية وهو ما ينتج كل مصائبهم، ومؤخرا نشر بعض المثقفين رسائل اعتذار من الشعب العراقي لخّصها الكاتب عدنان حسين بقوله " أعترف بأنني أخطأت إذ كتبت في الصحف والمجلات التي عملت فيها خارج الوطن، وإذ قلت في الندوات والمؤتمرات واللقاءات التلفزيونية والإذاعية، إن النظام الذي تشكّل بعد 9 نيسان 2003 سيكون أحسن من نظام صدام ... أعترف بأنني أخطأت في دفاعي المستميت عن هذه الفكرة، فيومها لم أكن أتخيل أن العراق سيشهد نظاماً سيئاً كنظام صدام" !
خلاصة القول، أن السيد نوري المالكي، جاء وفق صفقات معادلات المحاصصة الطائفية والإثنية، التي بني عليها نظام الحكم الجديد في العراق، وإن تمت تنحيته أو إزاحته أو إسقاطه ــ كما يريدها البعض ـ ، فإن من يخلفه ــ من أية جهة كانت ـــ إن جاء وفقاً لنهج المحاصصات والتوظيف السياسي للدين، لن يختلف كثيرا عنه، وإن كان ففي بعض التفاصيل، وعندها ستستمر معاناة العراقيين ويبقى نشاط الإرهابيين على حاله، ويتواصل ندم المثقفين واعتذارهم .
ليس أمام العراقيين، الحريصين على مستقبل البلاد والأجيال القادمة، سوى السعي والعمل بجد ومسؤولية لأجل إحداث التغيير الحقيقي باتجاه بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، دولة القانون الحقيقي والمؤسسات الدستورية وفقاً لقواعد المواطنة والكفاءة والمهنية والنزاهة وتكريس الوحدة الوطنية، وبدون ذلك فكل كلام ، سيكون هواءً في شبك !

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top