السياسي والثقافي.. تــرســيـمـات الأدوار والــوظــائــف والأســئـلة

آراء وأفكار 2013/09/01 10:01:00 م

السياسي  والثقافي.. تــرســيـمـات الأدوار والــوظــائــف والأســئـلة

يبدو أن الحديث عن الإشكاليات المفاهيمية   للسياسي والثقافي لا ينطلق  إلاّ في سياق الحديث عن  الأزمة العامة،  تلك الأزمة التي تتكشف عن الصراعات السياسية والصراعات المجتمعية، وعن تصدع  مشروع الدولة، وعن صعود  رهاب  الجماعات العنفية،  ومنظورها للسياسي بوصفه مثالا للقوة والحاكمية، وللثقافي بوصفه  المؤول والمفسر  والمهرج والحكيم أو البهلول أو  موظف التزجية النفسية..

هذا التداخل الملتبس للسياسي والثقافي ما بين التاريخي المتحفي، وما بين التاريخي الصراعي، يكشف عن الحاجة إلى إعادة مراجعة وفحص هذه المفاهيم، ليس في ظل تحول استعمالاتها حسب، بل في ظل تموضعها داخل سياق مؤسساتي، محكوم بالقانون، إذ أن غياب هذا السياق يعني غياب التأطير الحمائي للمفهوم الثقافي وللجماعة الثقافية، وللوظيفة الثقافية، وللحقوق الثقافية، وهو ما يعني التماهي مع السياسي بوصفه السلطة ورأس المال، وبوصفه أيضا القوة المادية والرمزية..
أزمة السلطة السياسية في عراق مابعد عام 2003، كشفت عن هشاشة التحول المؤسساتي، والتحول المجتمعي وعن غياب التأصيل الحقوقي والمفاهيمي للفكرة الثقافية، لان السلطة الجديدة أعادت إنتاج الكثير من مظاهر السلطة القديمة، خاصة على مستوى صناعة الحشود والمراكز الأيديولوجية والدينية/ الطائفية، والمراكز الجماعاتية، والمراكز العنفية، أي أن السلطة بوصفها الإطار التوصيفي للفعالية السياسية، ظلت متجوهرة في سياق حيازة القوة، والتفويض باستخدام العنف، مقابل تعويم حقوقي للاجتماعي والثقافي والنقابي المدني، والذي يعني غياب القوى الاجتماعية الكابحة لجماح السلطة، وهذا ما أفضى إلى الغلو السلطوي السياسي، والى الهشاشة الثقافية المدنية، وبالشكل الذي يصعّب من أية عملية تحويل في الوظائف والأدوار، لاسيما وان الموازنات الوطنية ظلت الوسيلة الكبرى لتعزيز قوة السلطوي، وتأمين حيازته للمال، وللشرعنة القانونية، مقابل الإفقار والتهميش للمجتمع المدني والمهني الذي يكون الثقافي جزءا منه، وهو ما يعني الإفقار الوظيفي، أو إفقار المنافسة، أو ما يعني بشكل دقيق العودة إلى إخضاع الثقافي إلى سلطة المال والقرار التي يملكها السياسي المؤسساتي، والسياسي الجماعاتي، والسياسي السلطوي..
ولعل أية دعوة لفك الاشتباك مابين الحيازات السلطوية/ السياسية وبين التمثلات الثقافية، يعني الدخول في مجالات غير مسيطر عليها لتفسير القانوني الخاص بتنظيم الحقوق، وبالتوصيفات، والصلاحيات، وبالفقه الاقتصادي الخاص بتأمين حقوق مالية للثقافي المدني، ولمؤسساته، لكي تعبر عن استقلاليتها ومهنيتها من خلال انتمائها لمشروع موازنة الدولة وسياساتها الثقافية والإدارية، وليس الحكومة بوصفها جهازا تنفيذيا، يرتبط عمله بعمل المؤسسات الخاضعة لبرامجه وسياساته..
السياسي/ الثقافي...المسؤوليات المشروعة 
ضرورة إعادة قراءة هذين المفهومين- السياسي والثقافي- ينطلق من ضرورة أن يكونا عند خط شروع واحد، وهذا التوصيف ليس شعارا للمرحلة سيرورة الدولة الجديدة، بقدر ما يعبّر عن ظاهرة التحول الاجتماعي والثقافي والسياسي القرين بمشروع هذه الدولة، إذ بات الحديث عن ظاهرة التكامل في الأداء وفي المسؤوليات هو الشرط والقياس المنهجي وحتى الفقهي الذي يؤطر عمل الفعاليات السياسية والثقافية في آن واحد.. وأحسب أن فاعلية الثقافي رغم هشاشتها التاريخية، إلاّ أنها تفترض وجود فاعلية إسنادية للسياسي، مثلما أن مفهوم السياسة ومفهوم الثقافة لم يعودا توصيفين لإجراءين متباعدين في العمل على طريقة توزيع الأدوار والوظائف. فالسياسي بكل تاريخه الرمزي والرهابي يحمل في معطفه الكثير من وصايا الثقافي، والثقافي يضع السياسي في متنه دائما بوصفه رمز للقوة والثروة..وأن أية محاولة قهرية للفصل والتقاطع على حساب أحدهما للآخر ستكون محكومة بالفشل، أو ربما بالخروج عن سياقات العمل التي تنتظم فيها فعاليات الدولة ومؤسساتها، لأن الواقع لم يعد يحتمل صورة السياسي القمعي والسلطوي المعزول عن الحياة والواقع والأسئلة اليومية، مثلما لم يعد هذا العالم يحتمل صورة المثقف المعلقة على الحائط، الذي لا يعرف كيف تجري وتصطخب من حوله أحوال الدنيا وكيف يمكن للظواهر أن تتشكل أمامه وتفرض حضورها وصراعاتها وأزماتها وشروط تحولاتها؟
السياسي والمثقف بقطع النظر عن من ضغط وجاهزية التوصيف القديم، وطريقة النظر إليهما، اصبحا اضطرارا أمام منظور جديد، منظور يقوم على أساس تفكيك المركز القديم، المركز الأيديولوجي والأبوي والتقديس والشعبوي، فضلا عن المنظور الإجرائي وحيازته للشروط والقياسات والأحكام الواقعية والمعرفية والمعلوماتية، وبالتالي فإنهما أصبحا أمام سياق مفتوح اكثر شجاعة في التعبير عن معطياته، والذي يشترط في تنفيذ برامج هذا السياق فهما أكثر اتساعا وأكثر عمقا للعالم وللظواهر والتحولات والصراعات والأزمات، ينحاز إلى فكرة النظر الممنهج والموضوعي للظواهر، يستقرئ ما تحمله من إجراءات واستحقاقات ومفاهيم، يخضع تداولها إلى فاعلية معرفية تنتظم فيها الأمور، مثلما ينحاز هذا التوصيف إلى فكرة موت المثقف العاطل عن الوعي، مثقف البرج العاجي، والمثقف الأرستقراطي، مقابل الموت الرمزي للسياسي العاطل عن إدامة دوره في الحراك الاجتماعي، إذ أن مرحلة بناء الدولة الديمقراطية بقطع النظر عما تعانيه من تشوهات وإكراهات، قد أنهت دور السياسي الانقلابي، السياسي الديكتاتور، السياسي العصابي، وأنهت أيضا دور المثقف التابع، والثقافة(الكدية) وبالاتجاه الذي ينمي الدعوة إلى صناعة الثقافة ومؤسساتها، وآليات عملها وعلاقاتها، فضلا عن تنمية فاعلية النقد، نقد ما هو ميت وما هو باعث على الموت، إذ ان هذا العالم لم يعد جزءا من أساطير القوة والضعف، ولم يعد خاضعا لإمبراطوريات الغاشمة، ولم يعد واقفا على قرن الثور المثيولوجي كما علمتنا جداتنا، ولم يعد العرافون والعرافات هم الذين يحركون أهواء السياسة ومزاج الحكام ودوران الأحوال من بين أيدينا ومن خلفنا.. كل ما في الأرض من صراعات وتحولات واصطفافات اصبح قابلا للنقد والمراجعة والقراءة، يجري لمصالح وحسابات متعددة متوافقة أو مختلفة، ويجري أيضا بمعرفة وحسابات وتصورات لها مقاديرها ولها منظروها وصانعوها...الحرية اصبح لها حساب، وأزمة الطاقة لها حساب، وأزمة الوقود الحيوي لها حساب، مثلما هي أزمة الحاكمية والديمقراطية وأزمة الحوار الحضاري وأزمات الثقافات الإثنية والحقوق المدنية، كلها أصبحت خاضعة للمقايسة والقراءة المتعددة الأوجه، لها حسابات أخرى ولها مرجعيات وقوى خفية وظاهرة. نعم كل هذا اصبح يملك نظاما وبرامج ومؤسسات وإرادات وربما بنوك معلومات ومراكز استبيانات وبحوث، فيها مخططون ستراتيجيون يرسمون آلاف الطرق والاتجاهات والخرائط في البيئات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية التي يظن البعض أنها بيئة قصية وموحشة. في الحداثة ليس ثمة شيئاً بعيداً أو قصياً أو مهملاً.
 
صناعة الثقافي السياسي وصناعة الظواهر 
التصور عن صناعة وظيفة مغايرة للسياسي والثقافي، يرتبط كثيرا بصناعة الظواهر، وإعادة النظر إلى الوظائف داخل عالمنا المجتمعي، وداخل عالمنا الكوني الذي نتناص مع معلوماته وأفكاره وصراعاته كثيرا، والذي يحاصرنا من الجهات جميعا بعين الكاميرا والمعلومة والأقمار الصناعية، والذي يفترض شكلا داخليا للرقابة على هذه الصناعات، وعلى تداول واستهلاك المفاهيم، لأن إعادة النظر بغابة المفاهيم التي نسوقها ونرطن بها بعمومية فاضحة، ومنها مفهوما المثقف والسياسي، بات لازما بإعادة التوصيف الوظيفي والحقوقي والعولمي لهذه الثنائية، ومن خلال وعي آخر، وعي شجاع، صادم، احتجاجي، تظاهراتي ، وربما يكون تغريبا حتى باتجاه الدفع لإلغاء صورة السياسي البسماركي والسعيدي، وإلغاء صورة المثقف البوهيمي، الوجودي، أو المثقف الحكومي أو العرضحالجي، لأنه أعطى للسياسي توصيفات لا يستحقها، ومنحته امتيازا وتعريفا وخندقا لانعرف من الذي اقترحه، وأعطت أيضا للمثقف تعريفا قاصرا وقسريا، إذ جعلته المطرود والصعلوك والحالم والبعيد عن الأرض، وربما أيضا أعطته امتياز المهرج وصانع الفرجة والضحك للملوك والسلاطين وأصحاب بيت المال.
تحولات العالم المعاصر أصبحت تحولات عميقة الأثر، لا تعترف بالكثير من أوهامنا القديمة، وشروطنا التي تدربنا عليها عبر هيمنات التاريخ والنقل والجماعة والمقدس، وعبر ترسيمات المواسم والولاءات، إذ أنها أعادت ترتيب علاقة المثقف بالسلطة بوصفه كائنا للإرادة والحرية، وبعيدا عن الخوف أو الرعوية. شرط وعي المعاصرة يفترض أولا شرط المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، مثلما هو شرط النظر إلى السلطة، تلك النظرة الإجرائية الخالصة، لأن السلطة ليست حكرا لعائلة معينة أو حزب معين أو طائفة معينة كما كرسته الانقلابات الدامية في حياتنا. وهذا بالطبع يقتضي من السياسي الشمولية في المعرفة، والحداثة في المعرفة، والوعي بقيمة الهوية كدافع للبناء والتحضر والحوار، ومعرفة الناس بدءا من شكسبير ومحمود احمد السيد وانتهاء ببائع الحديد في شارع الشيخ عمر. كما ان ذلك يقتضي من المثقف ان يعرف أسرار العالم وصانعي هذه الأسرار بدءا من اللورد تشرشل والسيد دوفلمان وانتهاء بقوائم المشاركين في انتخاب مجالس المحافظات..
إنها دعوة حقيقية لتشارك الأدوار وليس الاكتفاء بتبادلها كما قد يقترح البعض، فضلا عن الحرص على أن يمارس الجميع أن الثقافة والسياسة باتا جزءا من ظواهر التحول باتجاه وعي الدولة الجديدة، ووعي شروط الديمقراطية والحرية والتنمية والخروج إلى فضاءات العالم الحر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top