ألقاب الشعراء.. في عصرنا الحديث

ألقاب الشعراء.. في عصرنا الحديث

كانت ألقاب الشعراء في العصور القديمة تُطلق عموماً إما إشارةً إلى حالة بدنية أو نفسية غير اعتيادية لدى الشاعر، أو إلى تعبيرٍ غريب قاله، أو إلى حدَثٍ اقترن به، كما هي الحال مع تأبَّط شراً، الشاعر الجاهلي  ثابت بن جابر، الذي لقب بتأبط شرا، حسبَ أحد الأخبار، " لأنه كان كلما خرج للغزو وضع سيفه تحت أبطه، فقالت أمه مرةً : تأبَّطَ شرا، فلقب بهذا اللقب "؛ و المقنَّع الكندي، محمد بن ظفر بن عمير، و كان يتقنّع لكونه أجمل الناس وجهاً، و يخشى أن يصاب بالعين؛ و ذي الإصبع العدواني، الذي " سُمي ذا الإصبع لأن حيةً نهشته في إصبعه فقطعها "؛ و الفرزدق، همام بن غالب، الذي " لُقب بالفرزدق لِغِلَظه و قِصَره، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء، و هي الفرزدقة "؛ و ثابت قطنة، الذي " ذهبت عينه، فكان يحشوها بقطنة، فسُمي ثابت قطنة "، فقال فيه أحدهم هاجياً :

[ لا يعرفُ الناسُ منهُ غيرَ قطنتِهِ 
و ما سواه من الأنسابِ مجهولُ ] 
و هناك ماني الموَسوِس، و الأخطل، و الأخيطل، و صريع الغواني، و المرقِّش، و مجنون ليلى، و موسى شهوات، و أبو العتاهية، و عاصم المبرسم، و جران العود، و المتنبي، و ذو الرُّمَّة، و عائد الكلب ... إلى آخره، و كلها إشارات إلى حالةٍ أصيب بها الشاعر، أو أمرٍ كان يفعله، أو تعبير غريب قاله، كما هي الحال مع عائد الكلب القائل :
[ ما لي مرِضتُ فلم يعُدني عائدٌ
منكمْ و يمرضُ كلبُكمْ فأعــودُ؟ ]
أما في عصرنا الحديث، فتختلف طريقة التلقيب و دوافعها و مفرداتها. إذ تعتمد عموماً على موقف تكريمي شخصي، أو جِهوي، تجاه الشاعر، ثم يبدأ تداول اللقب و انتشاره إعلامياً وفقاً لعوامل و ظروف معينة، كدرجة جدارة الشاعر بذلك اللقب، و مدى سعة الوسط الاجتماعي أو السياسي الذي ينتمي إليه، و الظرف الذي قيل فيه اللقب.
فعندما أُطلق على الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري ( 1899 ــ 1997 ) لقب " شاعر العرب الأكبر "، كان فعلاً هكذا من دون منافس أو معترض على ذلك، لمستواه الإبداعي الرفيع، و تفرده بذلك على الصعيد العربي، و انسجام ذلك مع الظرف السياسي القريب من توجهات الجواهري الفكرية، و مع طبيعة العراقيين من ناحية الألقاب التكريمية.
و هكذا كانت الحال تقريباً مع إطلاق لقب " أمير الشعراء " على الشاعر المصري أحمد شوقي ( 1868 ــ 1932 ) الذي كان مقرباً من الأسرة المالكة، و نفاه الانكليز مع هذا إلى إسبانيا عام 1915. و كانت مصر تحت حكم نظام ملكي طويل نسبياً يكثر فيه المتنفذون من أمراء و باشوات و هوانم، و تسود مجتمعها بالتالي ثقافة التفخيم، حتى أصبح يقال لكل من يستطيع ضرّاً أو نفعاً، و لحد الآن : بيه أو باشا، و ما يماثل ذلك من خطاب التعظيم الشخصي! 
أما الشاعر اللبناني خليل مطران ( 1872 ــ 1949 )، فقد لُقّب بـ " شاعر القطرين "، لكونه قد ولد و نشأ في لبنان حتى غادرها فراراً من الاضطهاد التركي إلى مصر، حيث عاش فترة من حياته، و من هنا جاء لقبه الآنف الذكر.
و كان هناك أيضاً، إضافةً إلى هؤلاء، شاعر الوادي، و شاعر المصرين، و شاعر البلاط، و شاعر البعث، و بدوي الجبل، و شاعر الحب أو المرأة، و شاعر الشباب و الهوى، و شاعر السيف و القلم، و شاعر الخمرة، و شاعرة العزلة، و شاعر الشعب، و الشاعر الصعلوك ، و الشاعر الدرويش، و عاشقة الليل، و خنساء القرن العشرين، و شاعر الطيارة، و ربما كان هناك شاعر للكلمات المتقاطعة، و آخر للسياحة .. إلى آخره! 
و كان هناك في زمن الطاغية ألقاب رسمية للمدّاحين من الشعراء، منها : شاعر الرئيس، و شاعر القادسية، و شاعر القوات المسلحة، و شاعر أم المعارك، و شاعرة أم المعارك، و ربما كان هناك، و نحن لا ندري، شاعر للمخابرات، و شاعر للأمن العامة، و شاعرة للسهرات الخاصة! و إذا سرنا على طريقة الأقدمين في تلقيب الشاعر وفقاً لمفردة أو تعبير ارتبط به، يكون لدينا أيضاً من الزمن نفسه : " شاعر " عَفية "، و شاعرة " المسرّات "، و شاعر " النبيين و الشهداء "، و شاعر " المحارم "، و شاعر " الحسين الجديد "... و من يود التعرف على هؤلاء الشعراء و أسباب تلقيبهم بذلك، فليراجع قائمة مدّاحي الطاغية من الأدباء و الفنانين و الصحفيين العراقيين، ذكوراً و إناثاً، المنشورة على الأنترنت!
و كل ذلك، مع هذا، مبرر و معقول، وفقاً لأخلاقيات تلك الفترة المنحطة، و مستوى علاقة الشاعر بالأمر الذي لُقِّب به، و الظرف الذي أطلق فيه اللقب. 
غير أننا أصبحنا في العقد الأخير نصادف تلقيباتٍ مجانية تماماً في بعض الأحيان، و مبالغاً بها بشكلٍ غير مبرر في أحيان أخرى. إذ لم يعد غريباً أن يقال عن فلان من الناس " الشاعر المتألق "، مع أنه باهت و عديم الطعم و اللون و الرائحة، أو " الشاعر الكبير "، مع أنه ليس كبيراً في شيء، و خاصةً في الشعر، و أحياناً غير معروف إلا بين قلّة من المثقفين أو زملاء الوظيفة. و كل ما في الأمر أن أحداً أراد التقرب من هذا الشاعر لغرض ما، أو أن مناسبةً ما اقتضت من عريف حفلٍ متحذلق أن يقول : " و الآن نقدّم إليكم الشاعر الكبير فلاناً العُلاني ... "، و ذلك تسويقاً للشاعر، أو إضفاءً لشيءٍ من الأهمية على الحفل، ليس غير!
و هناك من الشعراء مَن يقوم بتسويق نفسه بنفسه و بأساليب غير مألوفة في عالم الأدب، إن لم يجد مَن يقوم بتسويقه على نحوٍ يرضي لديه النزعة النرجسية. و أنا أعرف مديراً في الدولة يوقّع على الكتب الرسمية الصادرة عن دائرته الحكومية بالشاعر فلان ، على غرار ما يفعله العسكريون حين يسبقون أسماءهم بالرتبة، مثل : المقدم عباس، العقيد مشعان، العميد زوبع ... و ما شاكل ذلك. و أنا أتفهم فعلته هذه انطلاقاً من حاجةٍ لديه ربما للاختفاء وراء رتبة الشاعر، أو للتغطية على ماضٍ " مثير للجدل "، أو لرغبةٍ في دعمٍ ذاتي، وفقاً لما يراه المتخصصون في علم النفس! 
غير أنني لا أتفهم، أو بالأحرى لا أفهم، أن تبلغ الأريحية بأحدهم مؤخراً أن يمنح شاعراً من رفاق الزمن البائد لقب " شاعر القرنين "، أي القرن العشرين بكل شعرائه الكبار حقاً، و القرن الحادي و العشرين بكل ما فيه من " نوابغ " قصيدة النثر التي ستطوي بموجتها المرحلية العابرة كل ما قبلها من شعراء و تكسّر الدنيا! ... فأنا أتفهم حالة السخاء التي يمر بها الرجل منذ مدة، ومنها إعطاؤه، على طريقة " أعطوه ألف درهم "، هذا اللقب الكبير لرفيقٍ قديم. و هذا، بصرف النظر عن كل شيء، وفاءٌ جميل و مفهوم ، لكن .. " شاعر القرنين "؟! .. ذلك كثير جداً، لأن معنى هذا أن أحداً من شعراء الـ 113 عاماً الماضية لم يبلغ قامة " شاعر القرنين " هذا. و لو سُئل الشاعر عن رأيه بهذه المكرمة، لانكمش ، برأيي، تواضعاً و خجلاً، و ربما تفاقم سوء حالته الصحية، الذي كان، كما يبدو، وراء منحه هذا اللقب الثقيل!
فأنا أرى، و ربما كنت مخطئاً، بل أنا مخطئ بالتأكيد، أن الألقاب الكبيرة لا تصنع رجالاً كباراً في مجال الشعر أو الثقافة أو السياسة أو غيرها. و أنا أقول " إنني مخطئ بالتأكيد "، لأن واقع الحال اليوم يزخر بالرجال الكبار جداً إلى حد أن المرء لا يستطيع أن يراهم، و هذا يشبه ما حصل للشاعر العباسي المشاكس دعبل بن علي الخزاعي، و جعله يقول :
[ إني لأفتحُ عيني حين أفتحُــها
على كثيرين لكنْ لا أرى أحدا ]!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top