الفنان الشاب بيكاسو

ستار كاووش 2013/09/13 10:01:00 م

الفنان الشاب بيكاسو

كيف لنا أن نتخيّل أن فناناً عملاقاً مثل بابلو بيكاسو كان ينظر إليه كفنان شاب حين كان في مقتبل العمر، أو أن يطلق عليه الفنانون الأكبر سناً وقتها تسمية الفنان الشاب بابلو؟ الجواب تكشفه لنا لوحاته الأولى في باريس وطريقته التي فيها الكثير من الجرأة والتشويق لدخول الوسط الفني المليء بفنانين كبار ومؤثرين .
كيف لهذا الشاب الأسمر ذي الملامح الأندلسية و( الشعر الشبيه بجناح غراب ) حسب تعبير الشاعر ماكس جاكوب أن يقتحم باريس ؟ هو القادم إليها من مدينة ملقـا جنوب اسبانيا مروراً ببرشلونة ، علينا أولاً أن نستعيد أعماله وهو لم يبلغ العشرين من العمر ، قبل أن يوقع عليها بأسم بيكاسو بل رويز ، وأعمالاً أخرى وهو في بداية العشرينات من عمره ، أي الأعمال التي رسمها في سنواته الأولى في باريس ، ومن ضمنها بالتأكيد الفترة الزرقاء والوردية ، لنرى إضافة الى تقنيته الفريدة وموهبته المبكرة ، هناك العاطفة التي كانت تحكم علاقته بالرسم وبالآخرين أيضاً . فالرسوم والبورتريهات التي رسمها في العشرين من عمره لصديقه المقرّب كارلوس كازاخيماس وقت انتحاره ، تخبرنا بالكثير ، رسمه بيكاسو وهو يرقد بسكينة في التابوت ويغلب عليه اللون الأزرق ،هذا الموت التراجيدي الذي أثّر على بيكاسو طوال السنوات التالية ، حتى أن فرانسوا جيلو قد ذكرت شيئاً يتعلق بذلك في كتابها ( حياتي مع بيكاسو ) وقالت: إنه سحبها من يدها ذات مرة وأخذها معه الى حي قديم جداً في باريس ودخلا معاً الى غرفة متآكلة تجلس فيها امرأة عجوز وحيدة ، عندها أخرج بيكاسو بعض النقود وأعطاها إياها ، وعندما سألت بيكاسو عن هذه العجوز التي أعطاها النقود قال لها : هذه كانت من أجمل الجميلات ويتشاجر بسببها الرجال وقد انتحر أعز أصدقائي بسببها ، وهنا يقصد صديقه الذي رسمه في هذه اللوحات ، كما رسمه مع هذه الصديقة ذاتها وهي حامل في لوحته الشهيرة التي أسماها (الحياة) .
لا يخفى على المطلعين على أعمال بيكاسو أن يلاحظوا بوضوح ان لوحاته الأولى في باريس تظهر عليها تأثيرات تولوز لوتريك وفان غوخ وغوغان ، لكنه بعد هذه الفترة القصيرة دخل في مرحلته الزرقاء التي كانت بدايتها الحقيقية ، لوحاته حول صديقه المنتحر ، وتضم أعماله ( الشابة ) متاحف كثيرة ، لكن أهمها موجود في متحفيه العظيمين في باريس وبرشلونة ، كذلك هناك معارض مهمة تناولت أعماله وهو في أولى خطواته الفنية ، آخرها كان معرض ( بيكاسو في باريس ) الذي استضافه متحف فان غوخ في الفترة الماضية ، حيث عرض أعمالاً من الفترة الزرقاء والوردية وبدايات ظهور التكعيبية ، كذلك التخطيطات الأولية لأول لوحة تكعيبية ظهرت الى الوجود بشكل مكتمل وهي نساء آفنيون التي نفذها سنة 1907 ، كان بود المتحف أن يعرض اللوحة الأصلية كبيرة الحجم لكنها معروضة في متحف الفن الحديث في نيويورك ويصعب جلبها الى المعرض من هذه المسافة البعيدة ، ويعلق متحف فان غوخ على ذلك ( نحن أيضاً لا نرسل لوحة عباد الشمس هكذا ببساطة لمسافات طوال على سبيل الإعارة ) .
لم يكتفِ المتحف بعرض لوحات بيكاسو ، بل أحضر عدداً من الراقصين الذين قدموا مجموعة من العروض في صالة جانبية يحاكون فيها شخصيات الفترة الوردية من المهرجين الذين رسمهم ، حيث أرتدوا ملابس قريبة جداً من تلك التي رسمها بيكاسو ، شعرت وأنا أشاهد هؤلاء الراقصين بأني أدخل فعلاً الى أجواء الفنان وعوالمه التي لا أعرف أن كان يُطغى عليها الفرح أم الحزن ؟ لكني أعرف تماماً أنها مليئة بإبداع لا يقاوم وحضور أبدي يثير الدهشة كما أثار صاحب الغورنيكا العالم وأصبح الأهم والأشهر على مرّ التاريخ .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top