المسرح والتداخل الثقافي بين الأمم!

سامي عبد الحميد 2013/10/21 10:01:00 م

المسرح والتداخل الثقافي بين الأمم!

ما موقع ماهو محلي ووطني في التداخل الثقافي؟ قد نجد نقاطاً رافضة لتلك الممارسات في مختلف الأجندات الوطنية في مراحل ما بعد الاستعمار بديلاً عن الاعتماد على الأيقونة الكونية من اجل ملء الفراغ الذي تتركه السياسة الاستعمارية والتي عملت على طمس الثقافة الوطنية.. وقام الباحثون في مختلف المواقع بإعادة اكتشاف التطبيقات التي حدثت قبل مرحلة الاستعمار وتجميعها، وتفسح الحاجة إلى التماثل في القوة للعلاقات بين المستعمِر والمستعمَر مجالاً للحادثات الوطنية ضمن الأسواق الثقافية الكونية والتي تعتبر التقاليد المحلية في المراحل التي سبقت الحداثة على أنها مواد خام يجب إعادة رزمها وتصديرها إلى الخارج بدلاً من اعتبارها كيانات مبجلة ينبغي حمايتها، تخيل عدد من كتابات المسرحية من مرحلة ما بعد الاستعمار أمثال (ايفوا سدرلاند) من غانا، و (وور سونيكا) من نايجيريا، و(كافالام تاريانا) من الهند تخيلوا العروض المحلية لغرض إعادة تركيبها بشكل مضاد لتيارات التداخل الثقافي العابرة وسميت تلك الممارسات (الثقافية الداخلية) واعتبرت الممارسات الثقافية في مرحلة ما قبل الاستعمار على أنها وقتية وهي ليست كذلك بالنسبة للآخرين ،ولذلك أدرجت ضمن المصطلحات المعاصرة.
ما يتركه (التداخل الثقافي) في المجتمعات التقليدية هو الرغبة في تحويل العرض المحلي ليلائم ذائقة المستهلك الغربي، لقد امتص المشروع الغربي للتداخل الثقافي ثمار الناتج المادي للإمبراطورية لأجل أيديولوجياتها الخاصة عن الرأسمالية والمسيحية، وهكذا تصبح التداخلية الثقافية وسيلة لتحقيق كل ماهو مرغوب في الثقافة الغربية أو ثقافة العالم الأول وما يمكن تخيله وابتداعه وتنفيذه، تمت تغذية الملاءمة مع ماهو شرقي كما لو كان حنيفاً للوطن وللطقس المفقود وللشكلانية وللدين، ذلك هو فضاء الحنين إلى الوطن إلى الأصالة النقية، الحنين إلى كل ما هو بعيد عن الإنسان الغربي.
هناك تناقض في (التداخل الثقافي) لأنه ينبع من الإيمان الذاتي ومن القلق الذاتي أيضا، هو وسيلة لتخيل الثقافة على أنها برية خالية عندما يتم احتلالها تنتج وتوصل وتستبدل ما كان أصلا من الثقافة، وبدلاً من ان يكون (التداخل الثقافي) لقاءً تبادلياً بين الثقافات فان عرضه في الغالب ليس إلا تنفيذاً للرغبة والمخيلة والاضطراب في نظام ثقافي ينظر إلى الثقافة الأخرى كونها منطلقات شكلانية أو جمالية من اجل التجديد، يشتغل مسرح التداخل الثقافي  في الفضاء الكائن بين ثقافتين أو اكثر ولكن تلك الثقافات هي نفسها نادراً ما تلقى وتتفاعل وحدها، ولكن هذا لا يعني ان جميع الممارسات الثقافية تشتغل ضمن البنية المتجزأة للتبادل الثقافي يستنفدى التطبيق الثقافي للعالم الأول المتسلط للثقافة الأخرى لعالمه الثالث.
هناك، مثلاً، بعض الحركات في آسيا مثل مسرح (بارسي) في الهند كتفت نفسها و خضعت لتطبيقات العرض التي مارسها أسياد الاستعمار في القرن التاسع عشر، وهذا دليل على مقصد المطبقين لفرز أنفسهم كنخبة ثقافية متحكمة في وطنها، العديد من الممارسات المذكورة آنفاً سواء كانت حديثة أم ما بعد الحديثة في المسرح الغربي مع كونها، على ما يبدو، متجذرة في سير المستشرقين من اجل تجديد الذات، فإنها، بحق، موجودة وبدرجة أقل تطفو على السطح، وبدرجة أكثر على المستوى النظري أو ربما ضمن المنطقة الجغرافية والنظام الاقتصادي فقط، ان مثل هذه الطرق العصية للتبادل تجعل تقسيم ما هو غربي منهاراً ولم يتوسط الاستعمار فيه إطلاقا.
مع ان استعارات (بيتس) من عناصر الدراما لمسرح (نو) الياباني على سبيل المثال، متجذرة في وساوس الحداثة مع شيء من التجديد، فقد تشكلت على المستوى الفلسفي ومن الرغبة في ابتداع مصطلح ايرلندي جديد متجاوزا الوقائع المعاصرة، وعليه فان تداخلاته الثقافية لم تستنسخ المظاهر السطحية للثقافة الآسيوية إذ لم يكن هناك تبادل فعلي لأي شيء بل كانت هناك وسيلة لتخيل نوع جديد من الدراما مع مسرح شرقي طقسي من القرون الوسطى (مثل مسرح نو) يوفر إطاراً مجازياً ودرامياً لدراما سياسة ثورية لا تتلاءم مع الواقعية، بالمثل فان تأثير (أوبرا بكين) والممثل (في لانفانغ) في آراء (بريخت حول التغريب-الإبعاد ليس إلا مجازاً مفاهيمياً لصيغة مسرحية تقصد الإصلاح السياسي اكثر من ان تكون ملائمة للاستشراق.
اتخذ التداخل الثقافي المسرح أشكالاً متعددة وأبرزها:
أولاً، لجوء كتاب المسرحية في الغرب إلى معالجة موضوعات مقتبسة من التراث حيث اقتبس من حكايات ألف ليلة وليلة- حكايات التفاحات الثلاث- واستبدل التفاحات بالمنديل، وكما فعل الشاعر الإنكليزي فليكر عندما كتب مسرحيته (حسن) وهي الأخرى مقتبسة عن احدى حكايات ألف ليلة وليلة، وكذلك الحال مع السويدي (اوغست سترف بريخ) عندما كتب مسرحيته (حذاء أبو القاسم الطنبوري)، وثانياً، قيام مخرجين من هذا البلد او ذاك بتفسير مسرحية لمؤلف من بلد آخر وفقاً لرؤيته المختلفة، كما فعلت أنا نفسي عندما أخرجت مسرحية شكسبير (هاملت) وأسبغت عليها صيغة عربية وعنونتها (هاملت عربياً) أو كما فعل المخرج الأمريكي (روبرت ويلسون) عندما ادخل مشهداً من ملحمة كلكامش في احدى مسرحياته، ثالثاً، استفادة الثقافات المسرحية في شتى أنحاء العالم من الثقافة المسرحية الإغريقية القديمة، رابعاً، تقديم المسرحيين في هذا البلد أو ذاك مسرحيات أجنبية مترجمة يجدون في موضوعاتها ما ينعكس على واقع مجتمعهم، وهكذا اصبح المسرح فناً شمولياً رغم تحديد هويته.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top