معنى الإخراج المسرحي!

سامي عبد الحميد 2013/12/02 09:01:00 م

معنى الإخراج المسرحي!

بعد انتهاء عرض مسرحية (موت مواطن عنيد) لمؤلفها ومخرجها (هيثم عبد الرزاق) ضمن برنامج مهرجان أربيل الدولي قبل أيام، سألني أحد المخرجين الجدد: أين هو الإخراج في هذه المسرحية، لم أجبه على سؤاله في حينه لأنني أعرف كم بذل المخرج من جهد حتى ظهر عمله للجمهور، وبقيت أفكر في القصد من سؤال ذلك المخرج المبتدئ، وأفكر في الإجابة على سؤال يحيرني جوابه أحيانا ألا وهو: لماذا تفشل بعض العروض المسرحية في الحصول على استحسان الجمهور رغم الجهد المبذول فيها ورغم الخبرة المتراكمة لدى مخرجها، ولماذا تنجح عروض مسرحية أخرى لم يبذل في صنعها إلا القليل من الجهد ومع ذلك يستحسنها الجمهور؟
الإخراج هو تحويل كلمات وجمل النص المسرحي إلى عناصر مجسدة مسموعة ومرئية ومتحركة بواسطة أدواته (الممثل والزي والمنظر والملحقات والإضاءة والمؤثرات الصوتية والبصرية)، ووفقاً لرؤية ينشدها، أي لقول يريد إيصاله إلى المتفرجين، وإذا يصل ذلك القول فلا إخراج أو إخراج فاشل وعليه لابد ان تكون جميع العناصر المذكورة سلفاً مساندة لثيمة المسرحية، أي لقول المخرج أو لرؤيته التي  قد تختلف بشكل أو بآخر، عن رؤية مؤلف النص أو قد تتطابق.
ويلعب عامل (الإقناع) دوراً مهماً في عملية التحويل والتجسيد ولكن ينجح المخرج ويكون هناك إخراج فعلي فلابد أن يقتنع المتفرج بكل قول يقوله الممثل وبكل حركة يتحركها وكل تعبير يؤديه بصوته أم بوجهه أم بجسمه ،بمعنى أن يكون هناك منطق أو مبرر وراء ذلك القول، وتلك الحركة وأن يكون هناك مبرر لوجود تلك القطعة من الديكور أو من الأثاث أو من الإكسسوار بلا عشوائية ولو ان بعض الاتجاهات الفنية هذه الأيام تنحو نحو العشوائية ولكن العشوائية قد لا تقنع عدداً كبيراً من المتفرجين، وللعلم فإن هناك منطقين أو مبررين في العملية الإخراجية هما: المبرر الحياتي ومنطق الحياة وطبيعتها، والمبرر الفني ومنطق الفن المسرحي وتقنياته، فإذا افتقر الصوت أو الحركة أو التعبير احد المنطقين عندئذ لا يكون هناك إخراج بل مجرد عبث أو نزوة أو خيال ناقص.
لكي يستطيع أي مخرج تحقيق إخراج ناجح لهذه المسرحية أو تلك فلابد أن يكون متسلحاً بالمعرفة العامة من جهة وبالمعرفة الفنية الخاصة من جهة أخرى، لابد ان يكون على علم بحرفيات المسرح وفن التمثيل وفن التصميم، بلابد أن يكون قادراً على تحليل نص المسرحية بشكل تفصيلي ودقيق ولابد ان يكون ملماً بأسرار فن التمثيل وتقنيات الصوت والإلقاء وتقنيات الحركة وأنواعها وأشكالها ودلالاتها، لابد ان يكون مطلعاً على مختلف الأساليب والتيارات المسرحية، قديمها وحديثها، لابد أن تكون لديه معرفة بالتاريخ والجغرافيا والعلوم المختلفة ولو على قدر يسير، لابد ان تكون لديه خبرة حياتية ولا يكفي أن يكون لديه خيال واسع فقط.
وإذا ما تحقق نجاح لعرض مسرحي أخرجه مخرج مبتدئ أو مخرج ناقص الأهلية فلا يعني ذلك ان هذا المخرج أو ذاك سوف يكرر نجاحاته أو ان يكون موضع ثقة من الجهة المنتجة للعمل المسرحي، إذ قد يكون مردّ ذلك النجاح المصادفة عوامل عديدة منها: نوع الجمهور المتلقي ومدى تعاطفه مع المخرج، وموضوعة المسرحية التي قد تمس فئة كبيرة من الجمهور، أو لمسة فنية حدثت مصادفة في مسار العمل كان لها أثر في اجتذاب المتفرجين، أو الدعاية الواسعة التي سبقت عرض المسرحية والترويج له من أصحابه، ومقابل ذلك فقد تفشل أعمال مسرحية أخرجها مخرجون متمرسون في اجتذاب الجمهور لا لشيء إلا لأن المخرج لم يضع نفسه بموضع المتفرج كي يتلمس مدى تأثير عرضه في النفوس والعقول، وكي يقع على الأخطاء التي وقع فيها أثناء التمارين، وكي يدرك ان رؤيته أو قوله لم يتحقق هنا أو هناك في مسار العرض عن غفلة أو عن عدم تحقق ما يطلق عليه "المسافة الجمالية" أي النظر إلى العمل عن بعد، أي من خارجه وليس من داخله، فقد يعجب المخرج بعمله وهو في داخله ولا يدري إن كان المتفرج هو الآخر قد يعجب به وهو في خارجه.
الإخراج عملية نسبية يخضع نجاحها أو فشلها لعوامل عديدة ذكرنا قسماً منها وقد تكون هناك عوامل أخرى بيئية وزمنية ومعرفية تلعب دورها في ذلك، ويتوقف النجاح بالدرجة الأولى على حسن اختيار المخرج لنص المسرحية ومدى ملاءمته للظرف وللتلقي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top