العاصمة تغص بعمالة الأطفال وفقـر مطلق!

العاصمة تغص بعمالة الأطفال وفقـر مطلق!

إعداد/ إيناس طارق

إثر اتساع رقعة الفقر نتيجة العقوبات الدولية المفروضة على العراق في التسعينات (نسبة الفقر المطلق بلغت 40 في المائة) أخرجت العائلات أولادها من المدارس ودفعت بهم إلى ساحات العمل. كان سن 13 عاماً كافياً لان يعمل الطفل في أشد المهن صعوبة، معامل حديد ونجارة وتصليح سيارات ومطاعم ومساعد سائق سيارة في المرائب. كانت بغداد تغصُّ بعمالة الأطفال كما المدن الأخرى، وكان النظام وقتها يتذرع بالحصار الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على العراق، ويغض الطرف عن هذه العمالة، إلا أنه في نهاية حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، كانت النسبة مرتفعة، حيث سجل العراق عام 1987 عمالة بلغت 442349 طفلاً، وبلغت نسبة الذكور منها 91.7 في المائة والأناث 8.3 في المائة. ولاحظت دراسات منها دراسة لجامعة بغداد عام 2002 ارتفاع نسبة عمالة الأطفال إلى أضعاف هذا الرقم، مستنتجة ذلك من انخفاض معدّل الالتحاق بالتعليم الأساسي والثانوي. وبحسبة بسيطة يتبين أن الحرب العراقية - الإيرانية خلّفت نحو مليون شهيد (وفق إحصائيات غير مؤكدة وأرقام متضاربة أحياناً)، وتَرك هؤلاء الشهداء أيتاماً مع أمهاتهم من دون معيل، وبرواتب تقاعدية لا تكفي لسد تكاليف ربطة خبز يومية، مما اضطر أغلب الأطفال الى النزول لسوق العمل وقتذاك، لسد الحـد الأدنى من احتياجات أسرهم!
بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 واتساع رقعة الموت التي خلّفت جيشاً من الأرامل واليتامى (تقدر الأمم المتحدة عدد الأيتام بـ5 ملايين و700 ألف طفل، وعدد الأرامل بـ3 ملايين امرأة) فضلاً عن أن ربع سكان العراق يعيشون دون خط الفقر، وهناك 5 في المائة من العراقيين هم في مستوى الفقر المدقع... كل هذا أدى إلى ازدياد نسبة عمالة الأطفال بحسب ما يؤكد أساتذة علم الاجتماع في جامعة بغداد.
وقد تطوّرت العمالة واندمجت مع التسوّل في بعض الحالات، إذ تنتشر في العاصمة بغداد اليوم مجموعة أطفال يحملون علبة حلوى وهم يتوسلون المارّة شراء قطعة واحدة، إلا أن أغلب المارّة يقوم بمنح هؤلاء النقود من دون شراء الحلوى. وفي عام 2006 وهو العام الذي شهد اندلاع الاقتتال الأهلي في العراق، أجرى الجهاز المركزي للإحصاء مسحاً عنقودياً عن أحوال عمالة الأطفال، اعتمد على ورقة استبيان لربّات المنازل، وخلـُص المسح إلى أن طفلاً واحداً من بين كل تسعة أطفال بعمر 5 الى 14 عاماً يعمل، وأن هؤلاء يشكلون نسبة 11 في المائة من أطفال العراق، وأن 2 في المائة من هؤلاء يشاركون بأعمال غير مدفوعة الأجر لحساب شخص من غير أفراد الأسرة، فضلاً عن أن نسبة 2 في المائة أيضاً تشارك في الأعمال المنزلية لمدة 28 ساعة أو أكثر خلال الأسبوع. وترتفع نسبة الاطفال العاملين في المناطق الريفية إلى 18 في المائة فيما تبقى نسبة الأطفال العاملين في المناطق الحضرية بحدود 6 في المائة. ويظهر المسح أن الأطفال الذين يعملون هم أقل ميلاً للاستقرار في التعليم، وبلغت نسبة المستمرين في التعليم منهم 10 في المائة بينما تبلغ نسبة الأطفال المتسربين من المدارس 14 في المائة. وتقلّ نسبة تشغيل الأطفال في العراق كلما ارتفع مستوى تعليم الأم. وظلّت هذه الدراسة يتيمة، إذ لا يعرف أحد اليوم نسبة عمالة الأطفال بدقة في البلاد، برغم أن العراق يُوصَف دوماً بـ«الدولة الفتية» لجهة نسبة الفتية مقارنة بالعدد الإجمالي للسكان، إذ وبحسب صندوق النقد الدولي يبلغ من هم دون سن الرابعة عشرة ما نسبته 40 في المائة من السكان البالغ عددهم 32 مليون نسمة (بينما نسبة من هم فوق الـ65 عاماً لا تتجاوز الثلاثة في المائة)، لكن الأطفال والشباب يعانون العوز والفقر في بلد يُوصَف بأنه سجادة الذهب الأسود، لما يمتلكه من ثروات نفطية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top