TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > شعرية التجريد

شعرية التجريد

نشر في: 28 فبراير, 2014: 09:01 م

(1-2)

من أكبر المشكلات عند الكتابة عن فنانة ذات حساسية رفيعة، مثل العمانية نادرة محمود، هو تحديد الجوهر التجريديّ لأعمالها. على الدوام كانت الكتابة عن فنان تجريدي مشكلة "لغوية" في أحد مستوياتها، فكيف يمكن الحديث بلغة الكلام المتعارف على دلالاته عن لغة الفن البلاستيكية، التجريدية التي لا دلالات ثابتة ونهائية لها مقارَبةً بلغة القاموس اللغوي؟. بعض الالتباس النقدي، العربي يقع عند الحديث عن فنان يستخدم التجريد وسيلة وحيدة للتعبير عن نفسه، بحيث أن هذا النقد يمكن أن يكون صالحاً لهذا الفنان وذاك على حد سواء، غير مفرِّق بين الخصوصيات الفردية في الرؤية والمعالجة عندهما. لو أننا استشهدنا بنماذج من هذا النقد العربي لتحقّقنا يقينا من الإشكالية، ولأُصْبنا بإحباطٍ شديد. بعبارة مقتضبة ها هي المشكلة: هناك فنانون تجريديون عرب مشهود لهم بالفرادة دون أن يقال لنا بشكل واضح السبب في هذه الفرادة.

ما هي إذن الفوارق التي تميز فنانة مثل نادرة محمود، ، عن أقرانها من الفنانين التجريديين؟. يتعلق أمر الإجابة على هذا السؤال بالتحديد الدقيق، لمفهوم (التجريد) نفسه، الغائب قليلاً رغم أن الفكر المسيطر في الثقافة العربية طيلة تاريخها هو فكر تجريديّ، ميتافيزيقيّ، يبدأ بالتجريد الدينيّ، ولا ينتهي بتجليات هذا الفكر في الفن التشكيلي السائد في المنطقة، المنحنى بشكل جوهري على ممارسات التجريد الأرفع في النقش والرقش والزخرفة.

في الفلسفة يتعلق التجريد (abstraction) ببناءِ أو بفصلِ بعض عناصر شيء من الأشياء، أو بتمثيل يقوم به الفكر من أجل اكتناه الخصائص المشترَكة الموجودة في موضوع أو في شيء. نُظِر إلى الفكر التجريديّ ببعض الريبة بسبب سعيه للابتعاد عن التفكير بالواقع العيانيّ الملموس. في العلوم الحديثة يعتبر التجريد واحداً من الخواص الثمينة لإدراك الظواهر العامة. وفي علم النفس يشير الفكر التجريديّ إلى الكفاءة الذهنية ويصير برهاناً على حضور نسق التفكير التجريديّ لدي شخص ما، لكن أيضاً برهانا على تطويع المفاهيم في عملية الاستدلال العقلي.

أما في الفن التشكيلي فإن التجريد يحيل إلى (الفنون التجريدية) بالطبع، وقد طلع من أنساق جمالية مُعبِّرة أو (تعبيرية) وليس من أنساق (تمثيلية). يشكل هَجْر (التمثيل représentation) حجر الأساس في فهم الفن التجريديّ. مرة أخرى لا يقيم النقد العربي، ولا أكاديميات الفنون الجميلة في العالم العربي بالاً كبيراً لهذا المفهوم بالغ الأهمية. ألا ترى قلة مستخدميه من النقاد وطلبة الفنون عند حديثهم عن الفن؟.

سنقول، من أجل فهم أعمال نادرة محمود، كلمة أخرى عن معنى التمثيل. إنه يشير اشتقاقياُ إلى فعل إعادة الموضعة للشيء أمام عيون الآخرين. في البدء يبدو التمثيل في الفن وكأنه فعل من أفعال التقديم présentation أي إحضار الغائب، كرسيّ مثلاً، شرط المعرفة المسبقة بهذا الغائب. عندما أرسم صورة للكرسي فإنني استحضر الكرسيّ المعروف الغائب. من هنا فالتمثيل يمكن أن يعني "إعادة تقديم" وهو ما يشير إليه الاشتقاق اللاتينيّ المتكوّن من re التي تفيد التكرار، الاستعادة ثم الفعل يقدِّم présenter (بالإنكليزية present) = re-présentation. إن وظيفة التوكيل أو الإنابة اللصيقة بعملية التمثيل تميل إلى جعل التمثيل بديلاً مألوفا للشيء الممثَّل له. هذا المفهوم ذو الأصل اللاتينيّ ظل حاضرا في التمثيل لكنه يرتدي معنى مختلفا بهذا القدر وذاك حسب السياقات التي يشتغل بها. وفي الاستخدام المألوف فإن التمثيل هو (الصورة) التي نقيمها للعالم أو هو العالم الموضوع أمام أعيننا عبر لوحة، منحوتة، فوتوغرافيا أو حتى عبر قصيدة. لكن التمثيل من وجهة فلسفية يُوصف بأنه فكرة غير مكتمِلة ومؤقتة حول حقيقة شيء معين. هذا الفهم للتمثيل وقع تصوره في أسطورة الكهف الأفلاطونية التي تتحدث عن نظرية المعرفة. التمثيل مفهوم أساسي لدى شابنهاور الذي يتابع ويطوّر كانط، كما أنه قد استخدم ليسائل شرعية المعايير القياسية للعلم الحديث، إذ إن تمثيل العالم مرتبط بالشرح العلميّ لميكانيكية الكون في كليته.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram