المشروع الشعريّ، الفرديّ لكل شاعر، هل يمكن فصله عن مشروع ثقافيّ أشمل لديه؟. هذا سؤال جوهريّ لعله يفسّر لنا تعثُّر بعض الشعراء الموهوبين الذين ركنوا (لغريزتهم) الشعرية حصراً، وتجاهلوا تأطيرها في مشروع ثقافيّ أشمل، مشروع يذهب أبعد من فن الشعر ويستمد الشعر منه، رغم ذلك، نسغاً وقوة وطاقة. غياب المشروع الثقافيّ العريض، لدى كثير من الشعراء العرب، مشهود له بشكل واسع في الثقافة العربية إلا لدى شاعرين أو ثلاثة ممّنْ يعرف الجميع. لم يبرهن شيء قط أن مشروعاً ثقافياً شاملاً يشكّل تهديماً لأيّة (غريزة شعرية) وغير شعرية.
لو كان هذا الاستنتاج سليماً، فهو يضعنا أمام مساءلة أخرى عن طبيعة النتاج الشعريّ (وتوسّعاً بالطبع التشكيليّ والموسيقيّ والسينمائيّ)، بعضها أكل الدهر عليه وشرب: هل يصدر عن (موهبة)، عن (إلهام)، عن (حكمة) مغروسة في الأرواح، عن (حاجة)، عن (ترف)؟. هل أن مشروعاً ثقافياً عريضاً لدى الشاعر، يتقدم بصفته قاتلاً للإبداع، منوِّماً للدفق العاطفيّ اللازم لكتابة الشعر، خطراً كامناً يُدْمج العقل والعقلانية الباردة في سيولة الشعر الساخنة، سفّاحاً لعمل المخيّلة، حجراً يصدّ تدفق تيّارات اللاوعيّ والأحلام والاستعارات الطليقة.... الخ.
ثم أن الأمر يتعلق بـ (الجماليات) والموقف منها. وهنا يمكن أن تُطرح أسئلة من عيار أثقل قليلاً: هل ينطلق الشعر ويتدفق دون امتلاك تصوّر جماليّ، وخيار جماليّ، وكلاهما يستلزم بالضرورة معرفة وتمحيص جماليات الماضي الموصولة بشكل لا فكاك منه بجذور فلسفية، وبمعرفة نقدية حاسمة للمناخات والأساليب والأمزجة التي كانت تخرج دائماً من مواقف فكرية متغايرة من العالم. لا يمكن أن أكون في جماليات الراهن، وأنا أستند إلى نظريات الجرجاني وحدها مع أهميتها، ولا يمكن أن أختار (جماليات اليوميّ) وأنا في مزاج (نظرية الشعر) الأرسطوطاليسية حصراً، ثم أن عليَّ التفريق بين محاكاة أرسطو في الشعر، ومعتقد أفلاطون في (مرموزة الكهف) بشأن عبثية ووهمية فن الشعر الذي لا يستطيع بطبعه نقل الحقيقة إنما هو ظل باهت لها. وهلمّ جراً وصولاً إلى المعتقدات النيتشوية والماركسية والوجودية والبنيوية وما شئنا، عن طبيعة عمل الشعر وأشغال الشاعر، وكلها تتفارق، بدرجات كبيرة أحياناً.
لا نستطيع إقناع أنفسنا أن منجزات الشاعر النصيّة، بالإطار الذي نطرحه هنا، بعيدة عن مشروع معرفيّ عريض. ولا نحسب أن مقاربة هذه المنجزات حتى بمنجزات صياد (بسيط) ستقيم الحجة على هامشية هذا المشروع، طالما أن الأخير يسيطر على أدواته الملاحية وتماسك قاربه، ويمتلك معرفة بالمناخ والرياح والأمواج والأنواع البحرية، ويعمل بدأب من أجل مشروع كيانيّ اختطه لنفسه.
الاتكاء على (الغريزة) وحدها ليس من النشاط الثقافيّ بشيء. الثقافة يمكن أن تغيّر الغريزة (وهي اسم صريح للموهبة), وتستطيع تبديد الاعتماد على (جماليات) جاهزة برهنت فقط أنها استقطبت جمهوراً ما، بغض النظر عن طبيعة وعمق ومتطلبات وسياسات هذا الجمهور. يَصْدق الأمر على الشعر الشعبيّ وفن الرسم في العالم العربيّ الذين ليس قبولهما واسع النطاق بكافٍ، كما يبدو، من أجل الافتراض أن خلفهما مشروعاً ثقافياً أكثر شمولاً وعمقاً. العكس أحياناً أكثر دقة: عندما تكون مبدعاً باحثاً بدأبٍ عن أفق شخصيّ، في حين لا تستقطب جمالياتك التجريبية والمخبرية جمهوراً وتكون قد ظلت أحياناً في العزلة وعدم الفهم، لنقل سوء الفهم، فلم يثمِّنها إلا القلة القليلة، فإنها [قد] تكون على مسار سليم، رغم الثمن الباهظ الذي تدفعه.
لا يوجد قانون موضوعيّ لإثبات الفرضيتين: القبول العام بالمنجز الإبداعيّ أو عدم القبول به، بصفتهما برهاناً على موهبة وجدارة صادرتين عن مشروع جماليّ وثقافيّ عميق.
جوهر المسألة يتعلق بخشيتنا من الصدفة والسياق الثقافيّ العام الذين لا يعوّل عليهما دائماً.
المشروع الشعريّ: هل هو مشروع ثقافـيّ أشمل؟
نشر في: 26 سبتمبر, 2014: 09:01 م