TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > درس (المرئيّ– اللا مرئيّ) أو (الظاهر– الباطن)

درس (المرئيّ– اللا مرئيّ) أو (الظاهر– الباطن)

نشر في: 28 نوفمبر, 2014: 09:01 م

المرئيّ في مقابل اللا مرئيّ من مصطلحات الثقافة الأوروبية، بينما الظاهر مقابل الباطن، فمن مصطلحات الثقافة الإسلامية، الصوفية على وجه الخصوص. كلاهما يسعيان لرؤية واكتشاف المغزى والدلالة العميقة في الظواهر الفنية والجمالية والدينية المدروسة، أبعد من مظهرها الحرفيّ الخارجيّ.
هل تتوصّل ثقافتنا النقدية، الشعرية والتشكيلية خاصة، إلى تقديم استقراء دقيق للامرئيّ، الباطن، عند قراءتها للأعمال الإبداعية، أم أنها مازالت تتشبّث بتقديم وصف لها، أو تقدّم قراءات مستعارة من حقول متباينة، فترى باطناً ليس موجوداً دائماً في هذه الأعمال؟.
يتعلق الأمر بمنهجية حذرة تسعى لاكتشاف الدلالات الخفية في الظواهر الفنية والجمالية، منهجية لا يبدو لنا أنها (تكتشف) في ثقافتنا الباطن بشكل مثابر، بل تُعيد أحياناً الصيغ البارعة، وأحياناً تقوم بإسقاط مُمَنْهج على الأعمال المقروءة. التدليل على هذا الزعم يحتاج صفحات طوال، لكن الاستثناء قائم أيضاً بدرجاتٍ اقلّ.
نودّ متابعة واحد من أشهر مؤرخي الفن، أرنست كومبريش (1909- 2001)، في عمله الأكثر شهرة "تاريخ الفن" المطبوع للمرة الأول عام 1950 وهو يدافع عن الفرضيات التالية التي نقدِّمها هنا على سبيل الاستدلال على منهجية اكتشاف الدلالات الخفية في الظواهر التشكيلية، وليس من باب تبنّيها بالضرورة:
أولاً: أن الفن الفرعونيّ يستهدف التعبير عن الشكل الذي هو جوهر الأشياء، ضمن منظور دينيّ من أجل إبقاء هذه الأشياء لكي ترافق الأموات في العالم الآخر. لذا فإن كل "شيء" قد قُدّم من زاويته الأكثر تميّزاً: الوجه جانبياً (بروفايل)، العين والجذع مواجهَةً، القدم جانبياً... الخ.
ثانياً: اخترعَ الفن الإغريقيّ الاختصارات والإحالات ونفخ رويداً رويداً روحاً بالأشكال التجريدية الموروثة من الفن المصريّ (وليس العكس، ولا يتعلق الأمر هنا بجعل الشكل الحيّ مثالياً لكن بمنح الحياة لشكلٍ تجريديّ).
ثالثاً: عبر تقنية السفوماتو (تقنية تَمازُج الألوان لوصف الشخصية أي رسمها باستخدام تحولات الألوان بين منطقة وأخرى بحيث لا يشعر المرء بتغيير اللون، مُشكِّلاً بذلك بعداً شفافاً أو تأثيراً مبهماً)، جعل ليوناردو دافنشي الحياة الواقعية في أعماله أكثر أهمية، خاصة في الجيوكوندا. وقد استخدم هذه التقنية التصويرية في أشداق الشفتين ومفاصل العينين.
رابعاً: رفض الانطباعيون، من جديد، الدقة في رسم التفاصيل من أجل إنتاج الانطباع الذي نشعر به أمام الأشياء.
خامساً: فان كوخ هو أصل التعبيرية وسيزان هو أصل الفن التجريديّ والتكعيبية، وغوغان أصل الوحشية.
وبهذا الاتجاه المنهجيّ الاستقرائيّ عينه نتابع أيضاً المؤرّخ أروين بانوفسكي (1892- 1968). كان بانوفسكي من أبرز ممثلي "الإيقونية". يتضمّن كتابه "المنظور بصفته شكلاً رمزياً" قسمين: الجزء النظري الذي يحاول أن يبرهن فيه أن المنظور في عصر النهضة يستند إلى (فلسفة الفضاء) التي تتوطد، هي نفسها، عبر فلسفة العلاقة بين الموضوع والعالم. ثم الجزء التأريخيّ الذي يفحص فيه كيف حلّ فنانو العصر الرومانيّ الوسيط مشكلة تمثيل الأشياء في الفضاء أي في أبعاد ثلاثة.
في النقد العربيّ، الشعريّ والتشكيليّ، يأمل المرء أن يُصادِف عيناً تلتقط هذا الدرس الغاطس عميقاً في الأعمال، هذا التواصل الداخليّ بين الظواهر، هذا اللامرئي، هذا الباطن الذي يشكّل، في الحقيقة، نسغ وجوهر الأعمال الجديرة باسمها والذي خرجتْ منه.
ثمة ،يقيناً، محاولات نقدية عربية لاستخلاص اللامرئيّ، الباطن، واكتشافه، مفرِّقاً بين طبيعته عند هذا الشاعر والرسّام وذاك، عارفاً أن لامرئيّ هذا المبدع يختلف عن لامرئيّ ذاك المبدع. ولكنها قليلة، وهي مما يعزّ على المبدعين الذين يُدركون أو يزعمون أن عوالمهم الداخلية متمايزة، وأن لامرئيهم موسوم بسمات ذواتهم، وليس أمراً بديهياً مشتركاً بالمطلق.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram