لم يكن مستغرباً بالنسبة لكثيرين أن ينتهي عام 2014 بهذا العدد من الحاصلين على الجوائز الثقافية العراقيين في مختلف ضروب الإبداع والمعرفة، رغم الكوارث الدموية والصعوبات الإنسانية التي تمرّ بها البلاد والتي لا تسمح للمرء نظرياً أن يلتقط أنفاسه لإنجاز أعمال إبداعية تستلزم التأمل والهدوء.
لا يتعلق الأمر بضربة حظ قط، ولا يتعلق بعلاقات شخصية لا يبرع الكثير من المبدعين العراقيين بممارستها كما يفعل بعض أقرانهم بنجاح، فلقد اتُّهِمَت (الشخصية العراقية) بخفةٍ وعلى الدوام، بعدم المطاوعة ورفض المرونة وشدة التصلُّب، وكلها يتطلبها السياق الثقافي العربيّ، خاصة إذا ما اشتدت المنافسة على الجوائز، مادياً ومعنوياً.
ومما يجعل السؤال جديراً بالطرح هو أن الحصار الثقافيّ العربيّ المُقنَّع سنوات التسعينات على مثقفي الداخل (يستوي بذلك مثقفو السلطة ومعارضوها) والخارج حتى لو عارضوا السلطة يومها بصراحة ووضوح، لم ينحسر تماماً تحت دعاوى جديدة ترتبط بالصراع في المنطقة واشتداد أوار النبرات الطائفية التي من الواضح أن شطراً من الثقافة الرسمية العربية ظلّ يتهم كثيراً من المثقفين العراقيين بها وبغيرها، المتدينين والعلمانيين، من هذا الطرف وذاك.
وبالطبع، نعرف جميعاً أن المثقف العراقيّ لم يغب للحظة منذ سنوات التسعينات العجاف عن حركة الثقافة العربية، لكنه كان مُهمَّشاً إلى حدود واضحة وشبه مُغيَّب، إلا إذا استدعت السياسات الثقافية العربية حضوره المحسوب، بعدما تدهور أيما تدهور نظام صدام حسين. بعبارة أخرى كان حاضراً حين اشتغل لصالح تلك السياسات. يومها كان بإمكان المرء أن يُدرك العلاقة الوثيقة بين (السياسة) والسلطة السياسة و(الثقافة). فمن كان يُغيَّب أو يُهمَّش هو المثقف المستقل الذي لا يمتلك مظلة وأرضية تدافع عن إبداعه ناهيك عن وجوده الفيزيقيّ ولقمة عيشه. لقد وصل أمر التغييب إلى درجة السطو على بعض الإرث الغنائيّ العراقيّ وعزوه إلى غير أصحابه. وإذا صدق قانون كريشام، القائل إن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، على الحقل الثقافيّ، فإن هناك من أفاد من تهميش وتغييب المثقف العراقيّ طيلة عقود، ذلك أن الأحوال الاقتصادية – الثقافية قادت أوزاناً ثقافية مختلفة أقلّ من الأوزان القديمة إلى الانتشار والفيضان في السوق، بمرحٍ وسعادةٍ وجسارةٍ. لوقت طويل كان بمقدور المتابع أن يلاحظ حسرة جلّ العرب على العراق بلداً- حلماً، لكنه لن يجد إلا قليلاً حسرة مماثلة على المثقفين العراقيين حضوراً، وعموم العراقيين حياةً وموتاً، للأسف العميق.
ما نقول هنا ليس سوى وصف للحال، دون لوم لأحد ولا رثاء للذات ولا شعور بالتعالي على أحد. غالبية المثقفين العراقيين يمكن أن تسرد الظاهرة نفسها، بنبرة إيجابية أو سلبية أفضل منا. في جميع الأحوال لم يكن مستطاعاً تجاوز (الثقافة العراقية) لأيّ سبب كان، وبصعوبة فائقة.
منذ بعض الوقت تغيَّر المشهد. فالمثقف العراقيّ الذي يستند إلى إرث عريق ثريّ، يتجاوز السياسة والأعراق والطوائف، مغترفاً من غِناها كلها في آن واحد، قد التقط أنفاسه وثقته بذاته. لأول مرة منذ أكثر من خمسين عاماً كانت تنفتح أمامه نوافذ كبيرة للتعبير الحرّ، مهما شابها من خلل في السياقات المعروفة الحالية. وما فوز المثقفين العراقيين بجوائز الإبداع عام 2014 إلا التعبير عن عودة الروح إلى جسد عصيّ على الانطفاء، ظلّ يقاوم الموت بالأسلحة الوحيدة التي يتقن استخدامها.
لم يكن عدد الفائزين مفاجئاً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الثقافة هي حقل البرهان الوحيد الساطع الذي لا يمكن التحايل فيه أو عليه، مهما طال الزمن والتبس المشهد.
هذه الكلمة تحية محبة وتقدير للمثقف العراقيّ النبيل.
ما سبب وفرة جوائز العراقيين عام 2014؟
نشر في: 23 يناير, 2015: 09:01 م