لا نحسب أن هناك من يزعم أن المستوى الثقافي العام في الجامعات العربية يرقى إلى المأمول، بحيث تبدو المشكلة، عن جدارة، مشكلة ثقافية خالصة. عن العشرين سنة الأخيرة تحدّث المتخصصون، في العراق مثلاً، عن تدهور المستوى الأكاديميّ والبحثيّ وعن خفوت مستويات التعليم لدى الهيئات التدريسية وانطفاء روح الفضول لدى الطلبة، لكن من دون وَصْل ذلك بالمكانة الممنوحة للثقافة نفسها في المجتمع العربي الراهن.
الفرضية التي يمكن المحاججة بشأنها هي التالية: أن تدهور الجامعات العربية مربوط بالقيمة العامة الممنوحة للثقافة نفسها في الطبقات الاجتماعية العربية العريضة التي تبلورت في حقبة التحولات السياسية والاقتصادية الأخيرة، وبالتالي بوظيفة الثقافة التي غيّبت عن الأبصار شعرياتها (إذا صح التعبير) وجمالياتها بصفتها تعبيراً عن متعة فردية وضرورة اجتماعية في آن واحد. الثقافة تختلف عن (الطبيعة) و(الغريزة)، وهذا أول ما يمكن قوله في مقام المجتمعات العربية التي ظلت، بسبب أزماتها الاقتصادية، تنقِّب في الوظيفيّ المباشر الذي يُشبع شيئا مغايراً، بدرجاتٍ مُعْتبرَة، للجماليّ والفضوليّ والمتعة الخالصة. ينطبق الأمر على العلوم الإنسانية والعلوم الصرف. هذا الوظيفيّ البارد الذي اتخذ تسميّات عدة مثل الاختصاص المُفْرَد والتخصّص المنغلق على ذاته ليس من طبيعة المعرفة التي تترابط فيها الاختصاصات وتتشابك فيما بينها بالضرورة. يتوجب حتى على ميكانيكي السيارات ودارس الهندسة الداخلية والخيّاط امتلاك تصوّر مرهف بشأن النظام اللونيّ والبصريّ طالما أن حوامل عمله تتطلب ذلك.
إذا كان صحيحاً أن الثقافة، بهذا المعنى، هي عملية متواصلة في الزمن ومترابطة في المعارف، وأنها موصولة بالمتعة كما الوظيفة، فلا يمكن للمراقب والمعنيّ الذي يلحظ تدنى المستوى الثقافيّ العام لدى الشريحة الأساسية من طلبة الجامعات، التوقف فقط عند اختلال النظام التعليميّ الأساسي وعدم مسايرته لقفزات التطوّر في المعارف البشرية، ويُنكر غياب المتعة إزاء تضخّم الوظيفة، أو أن يتجاهل تكوُّن جماعات من الأفراد وتبلور سياسات لدى الدول لا تُثمّن إلا نمطاً خاصاً من الثقافة الاستهلاكية والفرجوية السهلة ذات المردودات الاقتصادية السريعة، خالقة بذلك مؤسسات ومنابر لنمطها هذا، منها الجامعات دون شك وإنْ بطريقة أكثر تعقيداً. ففي تونس شُجّعت لوقت طويل وعمداً الثقافة الرياضية، خاصة كرة القدم، بصفتها بديلاً عن أي ثقافة أخرى، نكاد القول بالمطلق، كان من نتائجها التحوّل الدراميّ عن (القراءة) إلا إذا استوجب الأمر قراءة المواد المقرّرة في المدرسة أو الجامعة. في تخصّصات محددة كالفنون الجميلة التي تستوجب منذ البدء، بطبيعتها الداخلية، ثقافة عامة عميقة تتعقد الظاهرة وتدعو للأسف. جميع الاستثناءات المشرّفة لا تُنكر الظاهرة بل تعزّزها.
هذا هو السبب الذي يجري وفقه التعاطي الشكلانيّ للثقافة في الجامعات العربية، ومن أعظم تجلياته احتياز درجات الماجستير والدكتوراه بطريقة هي أقرب للبراعة في (الشكل) الخارجيّ للبحوث، وليس فحواها العميق وتأثيرها على الدارسين اللاحقين. فلا يمكن أن نقدّم إضافة حقيقية للبحث الجامعيّ عندما يكون بحثنا قائماً على اتقان شكليات البحث الأكاديميّ المحض وعدم اعتبارها أدوات للغوص والتنقيب في مشكل جوهريّ. هنا نتلمّس بعض المعنى العميق الممنوح (للثقافة) في جُلّ بلداننا العربية.
النتيجة هي أن جامعاتنا تمنح درجات امتياز بمادةٍ قد نسميها بروح من الطرفة (مادة الوَهْم). إذْ أن لدينا في السنوات الأخيرة كثرة كاثرة من حملة الشهادات العليا، الفرحين بمستوياتهم التي لا يُحسد البعض عليها. هذه النتيجة ليست مفرطة ولا تتجنى على أحد ويعرفها غالبية المشتغلين في الحقل الجامعيّ، مع وجود استثناءات نحترمها جميعاً.
الجامعات العربية: غياب الثقافة
نشر في: 30 يناير, 2015: 09:01 م
جميع التعليقات 2
قارئه
طرح يقارب الواقع،دمت مبدعا.
قارئه
طرح يقارب الواقع،دمت مبدعا.