TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الجامعات العربية: غياب الثقافة

الجامعات العربية: غياب الثقافة

نشر في: 30 يناير, 2015: 09:01 م

لا نحسب أن هناك من يزعم أن المستوى الثقافي العام في الجامعات العربية يرقى إلى المأمول، بحيث تبدو المشكلة، عن جدارة، مشكلة ثقافية خالصة. عن العشرين سنة الأخيرة تحدّث المتخصصون، في العراق مثلاً، عن تدهور المستوى الأكاديميّ والبحثيّ وعن خفوت مستويات التعليم لدى الهيئات التدريسية وانطفاء روح الفضول لدى الطلبة، لكن من دون وَصْل ذلك بالمكانة الممنوحة للثقافة نفسها في المجتمع العربي الراهن.
الفرضية التي يمكن المحاججة بشأنها هي التالية: أن تدهور الجامعات العربية مربوط بالقيمة العامة الممنوحة للثقافة نفسها في الطبقات الاجتماعية العربية العريضة التي تبلورت في حقبة التحولات السياسية والاقتصادية الأخيرة، وبالتالي بوظيفة الثقافة التي غيّبت عن الأبصار شعرياتها (إذا صح التعبير) وجمالياتها بصفتها تعبيراً عن متعة فردية وضرورة اجتماعية في آن واحد. الثقافة تختلف عن (الطبيعة) و(الغريزة)، وهذا أول ما يمكن قوله في مقام المجتمعات العربية التي ظلت، بسبب أزماتها الاقتصادية، تنقِّب في الوظيفيّ المباشر الذي يُشبع شيئا مغايراً، بدرجاتٍ مُعْتبرَة، للجماليّ والفضوليّ والمتعة الخالصة. ينطبق الأمر على العلوم الإنسانية والعلوم الصرف. هذا الوظيفيّ البارد الذي اتخذ تسميّات عدة مثل الاختصاص المُفْرَد والتخصّص المنغلق على ذاته ليس من طبيعة المعرفة التي تترابط فيها الاختصاصات وتتشابك فيما بينها بالضرورة. يتوجب حتى على ميكانيكي السيارات ودارس الهندسة الداخلية والخيّاط امتلاك تصوّر مرهف بشأن النظام اللونيّ والبصريّ طالما أن حوامل عمله تتطلب ذلك.
إذا كان صحيحاً أن الثقافة، بهذا المعنى، هي عملية متواصلة في الزمن ومترابطة في المعارف، وأنها موصولة بالمتعة كما الوظيفة، فلا يمكن للمراقب والمعنيّ الذي يلحظ تدنى المستوى الثقافيّ العام لدى الشريحة الأساسية من طلبة الجامعات، التوقف فقط عند اختلال النظام التعليميّ الأساسي وعدم مسايرته لقفزات التطوّر في المعارف البشرية، ويُنكر غياب المتعة إزاء تضخّم الوظيفة، أو أن يتجاهل تكوُّن جماعات من الأفراد وتبلور سياسات لدى الدول لا تُثمّن إلا نمطاً خاصاً من الثقافة الاستهلاكية والفرجوية السهلة ذات المردودات الاقتصادية السريعة، خالقة بذلك مؤسسات ومنابر لنمطها هذا، منها الجامعات دون شك وإنْ بطريقة أكثر تعقيداً. ففي تونس شُجّعت لوقت طويل وعمداً الثقافة الرياضية، خاصة كرة القدم، بصفتها بديلاً عن أي ثقافة أخرى، نكاد القول بالمطلق، كان من نتائجها التحوّل الدراميّ عن (القراءة) إلا إذا استوجب الأمر قراءة المواد المقرّرة في المدرسة أو الجامعة. في تخصّصات محددة كالفنون الجميلة التي تستوجب منذ البدء، بطبيعتها الداخلية، ثقافة عامة عميقة تتعقد الظاهرة وتدعو للأسف. جميع الاستثناءات المشرّفة لا تُنكر الظاهرة بل تعزّزها.
هذا هو السبب الذي يجري وفقه التعاطي الشكلانيّ للثقافة في الجامعات العربية، ومن أعظم تجلياته احتياز درجات الماجستير والدكتوراه بطريقة هي أقرب للبراعة في (الشكل) الخارجيّ للبحوث، وليس فحواها العميق وتأثيرها على الدارسين اللاحقين. فلا يمكن أن نقدّم إضافة حقيقية للبحث الجامعيّ عندما يكون بحثنا قائماً على اتقان شكليات البحث الأكاديميّ المحض وعدم اعتبارها أدوات للغوص والتنقيب في مشكل جوهريّ. هنا نتلمّس بعض المعنى العميق الممنوح (للثقافة) في جُلّ بلداننا العربية.
النتيجة هي أن جامعاتنا تمنح درجات امتياز بمادةٍ قد نسميها بروح من الطرفة (مادة الوَهْم). إذْ أن لدينا في السنوات الأخيرة كثرة كاثرة من حملة الشهادات العليا، الفرحين بمستوياتهم التي لا يُحسد البعض عليها. هذه النتيجة ليست مفرطة ولا تتجنى على أحد ويعرفها غالبية المشتغلين في الحقل الجامعيّ، مع وجود استثناءات نحترمها جميعاً.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. قارئه

    طرح يقارب الواقع،دمت مبدعا.

  2. قارئه

    طرح يقارب الواقع،دمت مبدعا.

يحدث الآن

تجمع تجار العراق يعلن إغلاق الأسواق احتجاجاً على الرسوم الكمركية

لقاح مبتكر للإنفلونزا قابل للتعديل حسب السلالة

عُمان تجري مشاورات منفصلة مع إيران وأميركا لتهيئة استئناف المفاوضات

تحرير مختطف واعتقال 10 من خاطفيه في النجف

انتهاء المرحلة الأولى من مفاوضات واشنطن وطهران

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

 علي حسين خرج علينا السيد نوري المالكي بتصريح مثير اخبرنا فيه ان " سوربا آذتنا كثيرا يوم كان بشار الأسد رئيسا صارت مركزا للتدريب وممرا لكل الإرهابيين الذي دخلوا العراق وقتلوا وخربوا وفجروا.....
علي حسين

كلاكيت: التسويق الكبير والاعلان وترشيحلت الاوسكار

 علاء المفرجي بشكل عام، ترشيحات جوائز الأوسكار لعام 2026 (الدورة 98) أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور، حيث تعكس توازناً بين الإنتاجات الهوليوودية الكبرى والأعمال المستقلة، مع تركيز ملحوظ على التنوع الثقافي والقضايا...
علاء المفرجي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

جورج منصور منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، عاد معه خطابٌ صداميٌّ يقوم على الإقصاء ورفض الآخر، مُتّكئأً على نظرة مصلحية ضيقة لا تعترف بالقيم التي رفعتها الولايات المتحدة شعارات لعقود،...
جورج منصور

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

رشيد الخيون أيد الكثيرون مِن العراقيين «فيتو ترامب» ضد ترشيح نوري المالكيّ رئيساً للوزراء للمرة الثَّالثة، وهو تأييد مغلّف بالخجل، لمَن هو ضد أميركا وتدخّلها، وضد المالكي أيضاً، فحزبه «الدَّعوة» ترأّس الوزارة ثلاث مرات:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram