في تونس تُرْجِم المصطلح (poïétique) الذي طوّره رينيه باسرون بالإنشائية، وهي مفردة عربية تقطع الصلة تقريباً بأصل المفهوم. في معاهد وجامعات البلاد التشكيلية يحتفظ هذا المصطلح بمكانة مرموقة بين الأساتذة والطلبة على حدّ سواء، ودائماً في نطاق القول إن الأمر يتعلق بمنهجية تقوم على أساس كيفية تأسُّس العمل الإبداعيّ، خاصة العمل الفنيّ، وأنها دراسة السلوك الإبداعيّ الذي يحسب الحساب الكبير لموضوعه قبل أي أمر آخر، فينقّب تحديداً في السلوك الفرديّ أو الجماعيّ في إطار صيرورته أي إنشائه، حتى لو لم يتحقق عمل مأمول، تشكيليّ أو أدبيّ، في نهاية المطاف. هذا المنهج أقلّ اهتماماً بالفرد المبدع نفسه، وبالعمل المُنْجَز، قدر اهتمامه بالعلاقة التي توحّد هذا بذاك، في سياق الشغل والمضي في عملية الإبداع.
تحديد المصطلح، بصفته قيمة منهجية، لا يَشْرح بالضرورة العلاقة مع (الشعرية) إلا بشيء كبير من الالتباس. حاولتُ أن أشرح لطلبة الماجستير، قدر معرفتي، هذه العلاقة طارحاً في نهاية الموسم السؤال المحدّد التالي: نتكلم اليوم كثيراً عن المنهج الإنشائيّ méthode poïétique، فما الذي يعنيه، وما هي علاقته يا ترى بالشعرية Poétique، وبفن الشعر نفسه؟. لم تكن عموم الإجابات بالمستوى المطلوب، وذلك للسبب التالي في أغلب الظنّ: أن فن الشعر نفسه قد قُدّم غالباً في جامعاتنا العربية انطلاقاً من قيم الوزن والقافية الشكلية، أو على أنه مفهومياً (فن الشعور) والمشاعر الغامضة وحدها. إذا كان مفهوم الشعرية الأوربيّ قد خرج من كتاب أرسطو (فن الشعر)، فإن المحاكاة والتراجيديا والحبكة الدرامية ومفهوم التطهير (الكاتارزيس) التي يشكّل جوهر عمل أرسطو لم تتوفّر موضوعياً وتاريخياً في الثقافة العربية حتى وهي تفسّر الكتاب (ابن رشد مثلاً). أضفْ لذلك امتلاكها تصوّرات خاصة لصناعة الشعر، وهو ما يُصَعِّب تماماً تفكيك العلاقة بين الشعر والشعرية (Poétique). الأخيرة اشتغل عليها الشاعر الفرنسيّ بول فاليري معمَّقاً حتى شغل عام 1937 منصباً سُمّي كرسيّ الشعرية في الكوليج دو فرانس، أُنشِئ من أجله. كان فاليري يستهدف القضايا الأدبية التي "تعالج خلق وتكوين أعمال لغتها هي الجوهر والوسيط في آن واحد"ّ. ومن يومها شاعت المفردة وأشبعت تنقيباً وتقليباً، حتى جاء الفنان والمفكّر الفرنسيّ باسرون في نهاية الثمانينيات وأعاد كتابتها بالطريقة التي وضعناها بداية العمود مانحاً إياها أفقاً منهجياً دقيقاً.
إذا كان صحيحاً أن جوهر العلاقة بين (فن الشعر) الأرسطوطاليسي و(شعرية) فاليري ثم شعرياتنا الحالية برمتها مرهفة التفكيك للوهلة الأولى، فيصعب بالأحرى الآن على طالب قليل العناية بفن الشعر أن يقتنص علاقة الشعر مع (إنشائية = شعرية) رينيه باسرون المُركّبة، ناهيك عن طالب يدرس الرسم والنحت والتصميم.
المنهج الإنشائيّ واسع الانتشار والتطبيقات في معاهد الفنون الجميلة في المغرب العربيّ، وفي فرنسا بالطبع، من دون التوفّر على ربطه المبدئيّ بفن الشعر، والشعر الحديث الذي هو الرديف الأعظم للفن التشكيليّ الحديث، وهو ما لا يرغب به البعض بتاتاً، ثم من دون التوفّر على توطئة ضرورية لكتاب أرسطو (البويطيقا De Poetica) (رسمه العرب بصيغة أبوطيقا وبوطيقا) الذي يخرج منه مباشرة فاليري وباسرون وما بينهما.
إذا لم نمتلك أصول المحاكاة والتراجيديا والحبكة الدرامية والتطهير التي هي من متطلبات تحليل الشعرية بطبيعتها الفاليرية والباسرونية، أفلا نستطيع الذهاب إلى المعنى الجوهريّ لهذه الشعريات التي يتحدث الجميع عنها، انطلاقاً من فهمنا الخاص بنا للشعر؟
هذا ما سنعود إليه.
هل يمكن فهم شعريات الفن التشكيليّ من دون أرسطو؟
نشر في: 7 فبراير, 2015: 12:25 م