اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > "صياحة" عراقية في أمريكا

"صياحة" عراقية في أمريكا

نشر في: 22 أكتوبر, 2012: 06:58 م

كيف تحكم العالم وأنت بعيد الى هذه الدرجة؟انه سؤال ظللت اردده اثناء الرحلة الطويلة والمنهكة من بغداد الى امريكا، محاولا تخيل هيلاري كلينتون وهي تقطع هذا الطريق مرتين في الاسبوع متنقلة بين ازمة الربيع العربي وازمة اليورو المنهار في اوربا.

انه يومي الثاني في واشنطن التي ازورها اول مرة في سنة يقول تقويم سكان امريكا القدماء انها ستشهد "نهاية العالم". ولكن يبدو ان الناس هنا لم يتأثروا لا بنبوءة المايا والازتيك ولا بفيلم ٢٠١٢ الذي انتجته هوليوود قبل اربع سنوات، باستثناء مشرد يعيش مع السناجب التي لم اشاهدها الا في الافلام الوثائقية بينما تتقافز حولنا في حديقة صغيرة بين مئات الحدائق التي تعتني بها "امانة واشنطن". المشرد الامريكي يقول لي انه ترك عمله وعائلته واعتكف قرب السناجب استعدادا لقدوم نيزك نهاية السنة هذه سيضرب امريكا اولا ثم يخرب كل الكرة الارضية. اعطيت الرجل سيكارة وانصرفت كأي عراقي قادم من بلاد ضربتها آلاف النيازك عبر التاريخ ودمرتها مرارا، وبالتأكيد فإن اي نيزك سينوي تحطيم المدن العملاقة في شهر كانون الاول لن يبذل اي جهد في تدمير بلادنا التي سبق للساسة الجهلة ان دمروها ثم سلموها لخلفائهم المصابين بالدوار والفساد وانعدام الارادة داخل عمليتنا السياسية.

وفي الطريق الى امريكا لم اتذكر كريستوفر كولومبس الاسباني الذي اكتشف العالم الجديد هذا قبل ٥ قرون، بل كنت في الطائرة اتصفح كتاب "الذهب والعاصفة" وهو اول رحلة شرقية لامريكا قام بها رجل دين كلداني عراقي الى المكسيك والشواطئ المحيطة بها عام ١٦٦٨ منطلقا من بغداد في سفرة استغرقت ١٠ اعوام قام بتمويلها بابا الفاتيكان. الكتاب الذي نشر اول مرة في لبنان عام ١٩٠٥ ثم اعيد نشره في الاردن عام ٩٩ كتبه ابونا الموصلي الياس بن حنا تحت عنوان "صياحة في امركة" اي "سياحة في امريكا" وهو مليء بالكلمات العراقية الدارجة والاخطاء اللغوية الجميلة والفطرية التي سجلت الدهشة من "جبال الذهب" في بلاد الهنود الحمر.

والحقيقة ان الذهب الذي خرج من هذه البلاد وحملته الاف السفن الى اوربا يومذاك، ساهم في تجويع اجدادنا في العراق والشام مرارا، اذ انه انتج تضخما رهيبا بسبب الثراء المفاجئ في اوربا، ما جعل الاتراك العثمانيين يزيدون من صادراتهم الى الغربيين ورفع اسعار القمح والتمر والقماش في البلاد العثمانية ونشر القحط طيلة القرن الثامن عشر، وكان اول انذار بسقوطنا المريع من دولة تناطح الغربيين الى دويلات تائهة مسحوقة لن يراها حتى نيزك المايا الذي قد يأتي لتدمير العالم.

وعدا اخبار التلفزيون فإن اسواق واشنطن وشوارعها لا تحمل اي دلالة مباشرة على وجود انتخابات رئاسية قريبة. فلا الرئيس اوباما ولا خصمه استغلوا نفوذهم للصق كل تلك الصور العملاقة التي يحبها زعماء الكتل لدينا. لا احد يخرب الجدران الجميلة المبنية بالطابوق الاحمر. والصورة الوحيدة حتى الان للمتنافسين هي عبارة عن دمية كارتونية تباع في مطاعم الهمبرغر لرومني ومثلها لاوباما. اما البيت الابيض الذي يتحكم بالقارات السبعة فلا يقف امامه سوى شرطي واحد وامرأة عجوز تنظم تظاهرة مستمرة منذ ٣٠ عاما ضد امتلاك امريكا للسلاح النووي.

امام بيت اوباما اخذت صورة للشرطي فابتسم ولم يطلب مني اخفاء الكاميرا كما يفعل شرطتنا امام بيت اي عضو مجلس محافظة، وألقيت التحية على العجوز التي تحتج داخل خيمة منصوبة امام بيت اوباما، منذ ٣٠ عاما. من اين لك كل هذا الصبر سيدتي؟

ان واشنطن بعمر مدينة مثل طهران اي انها بنيت قبل ٢٠٠ عام، لكنني انا القادم من مدن لا يعرف مهندسوها المكان المناسب لوضع المجسرات، اجد نفسي مصغيا لحكاية التوازن والتناظر الساحر بين مواقع المباني في قلب عاصمة امريكا، التي خططها صديق لجورج واشنطن المؤسس.ألم يجد حكامنا صديقا كهذا يرسم مدينة بهذه الحكمة والرشاقة؟

لقد خطوا شارعا مستقيما طويلا أوله كونغرس وآخره بيت ابيض. وفي قلبه مسلة مصرية كان يحبها المؤسس واشنطن متناظرة مع نصب ابراهام لنكولن الذي قام بتوحيد الولايات. وعلى الشارع وضعوا وزارة العدل كخصم يتحدى، امام مكتب التحقيقات الفدرالي "اف بي اي". في اشارة الى ان الامن لا يبرر ظلم الشعب! اما قرب البرلمان "الكونغرس" فشيدوا متحف الصحافة ليذكروا الساسة بحرية التعبير. هل قامت امة بكل هذه الاستعراضات في شارع واحد؟

انا الزائر الفطري القادم من بلد صار بلا كهرباء وامتلأ بساسة لا يفكرون الا في الحرب والصراع، يقول لي المرشد السياحي بأدب: " بلدنا ليس لديه تاريخ طويل كالذي تمتلكونه انتم ابناء بابل". اما انا فرحت اشعر ان تاريخنا الطويل صار عبئا علينا وجعلنا مشغولين بخلافات عمرها ٣ الاف سنة احيانا، وان الاوربي الاول الذي جاء لهذه البلاد متحملا مشقة اطول رحلة، انما هرب من تاريخه الصعب، ليؤسس عالما جديدا بحلم مختلف. المغامرة كانت تستحق كما يبدو، وكما سجلها ابونا العراقي في "صياحته" قبل ٣٥٠ عاما دون ان ينجح في اقناعنا بأي نوع مفيد من الهرب!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. ميثاق

    اخبرنا استاذي العزيز عن التعددية الاثنية والعرقية والقومية وعن التعايش السلمي وعن القوانين وتطبيقها وعن حرية الصحافة وحرية الفكر وحرية الراي في بلادنا لايخلو فم سياسي عراقي من تلك المفردات انفة الذكر حتى انها تشوهت من كثرة الاستخدم العبثي , اخيراً استاذي

  2. بوحسين الخزعلي

    موضوع لطيف فيه استلهام للحلم والامل ولكن بلدان الشرق العربي خاصة الخازنه للنفط لاتبنى خرائطها من ارادة الشعوب بل في دهاليز الشارع الذي خطه جورج واشنطن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمودالثامن: العميل "كوديا"

إنهيار اليوتوبيا الأمريكية في العراق

العمودالثامن: مرجان أحمد مرجان يطارد فلاح حسن

عن النقابات واخواتها سبيلا

العمودالثامن: عقدة عبد الكريم قاسم

العمودالثامن: فولتير بنكهة عراقية

 علي حسين ما زلت أتذكر المرة الأولى التي سمعت فيها اسم فولتير.. ففي المتوسطة كان أستاذ لنا يهوى الفلسفة، يخصص جزءاً من درس اللغة العربية للحديث عن هوايته هذه ، وأتذكر أن أستاذي...
علي حسين

من دفتر الذكريات

زهير الجزائري (1-2)عطلة نهاية العام نقضيها عادة في بيت خوالي في بغداد. عام ١٩٥٨ كنا نسكن ملحقاً في معمل خياطة قمصان (أيرمن) في منتصف شارع النواب في الكاظمية. أسرّتنا فرشت في الحديقة في حر...
زهير الجزائري

دائماً محنة البطل

ياسين طه حافظ هذه سطور ملأى بأكثر مما تظهره.قلت اعيدها لنقرأها جميعاً مرة ثانية وربما ثالثة او اكثر. السطور لنيتشه وفي عمله الفخم "هكذا تكلم زارادشت" او هكذا تكلم زارا.لسنا معنيين الان بصفة نيتشه...
ياسين طه حافظ

آفاق علاقات إيران مع دول الجوار في عهد الرئيس الجديد مسعود پزشكیان

د. فالح الحمراني يدور نقاش حيوي في إيران، حول أولويات السياسة الخارجية للرئيس المنتخب مسعود بيزشكيان، الذي ألحق في الجولة الثانية من الانتخابات هزيمة "غير متوقعة"، بحسب بوابة "الدبلوماسية الإيرانية" على الإنترنت. والواقع أنه...
د. فالح الحمراني
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram