كنت خلال اليومين الماضيين في جولة في البلاد التونسية، ومررتُ بالمكناسي وسيدي بوزيد ومنزل بوزيان وقفصة، عوداً عبر بئر علي فالقيروان فتونس العاصمة ثم رجعتُ إلى قابس حيث أسكن وأعمل. وفي كل محطة كان لا بد من الاستراحة في مقهى أو مطعم، وفي كل منها، كما هي العادة اليوم في العالم العربيّ، جهاز تلفزيون معلق على الحائط. هل هي محض صدفة أن نلحظ في جلّ الفضائيات العربية التي كانت تبثّ موادها في تلك الفضاءات العامة، خطاباً دينياً أو حواراً ساخناً حول الخطاب الدينيّ أو تعليقات حول التديّن السلفيّ مدحاً أو قدحاً أو تحليلاً محايداً؟. ليست الصدفة قط. فقد صار هذا الخطاب الدينيّ يتغلغل في شعور ولا شعور المشاهدين العرب، ويقتحم عليهم منازلهم وخلواتهم الحميمة، حتى أني كنت أسمع، أثناء ذهابي إلى التواليت في أحد المطاعم، واحداً من هذه الحوارات، يشهد ضميري.
كان الخطاب الدينيّ المعتدل المعقلن، حتى وقت قريب، يَشْغِل حيّزاً محدّداً معقولاً في جميع البلدان العربية، وكان القول السائر "ساعة لقلبك وساعة لربك" هو القاعدة الشعبية والثقافية العامة في الإسلام والمسيحية العربية. لقد اشتقتِ الشعوب العربية، بطريقة خلاقةٍ، من حديث طويل رواه حنظلة الأسيدي وكان من كتّاب الرسول، يجيء فيه أنه قال للرسول: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال الرسول من بين ما قال: "يا حنظلة ساعة وساعة" وكرّرها ثلاثاً. فحوّرها الضمير الشعبيّ إلى الصيغة المعروفة اليوم، لكي تستجيب إلى إسلام شعبيّ ظلّ قائماً عملياً طيلة العصور، مع صعوبات مُعتبَرة لم تكن القاعدة أبداً في الممارسة الاجتماعية، حتى ظهور الفكر السلفيّ وما أنتجه في أوقاتنا العصيبة من تكفيريات معاصرة. بل أن "ساعة لقلبك" كانت الطاغية بالأخرى في الحقل السوسيولوجي مُتجاوِزة، مراتٍ كثيرة وبدرجاتٍ بعيدةٍ، الساعة الأولى: في التجارة والسمر والخمرة واللهو والأعياد وزينة الذهب والفضة وأنواع الشعر الإباحيّ والزيجات والفنون الجميلة ومن بينها الموسيقى وغلو بعض التصوّف، بل المروق جهاراً نهاراً عن الساعة الأولى بُعيد الخروج من المسجد أو فترة الصيام. لسنا هنا لنلقي حكماً قيمة أو ندعو أحداً لهذا الأمر أو ذاك، ولسنا هنا لكي نصحّح سلوكاً شخصياً أو نبشّر بشيء، قدر ما نحن أمام فكرة عقلانية ودنيوية الخطاب الدينيّ اجتماعيّاً وشعبياً والخفوت العمليّ الملحوظ لصوت كلّ خطاب دينيّ متشدّد والتوازن المستمرّ تاريخياً بين الدنيويّ والمقدّس.
خفوت هذا الخطاب الدينيّ، المتشدّد وغير المتشدّد، لم يعد خافتاً كما تبرهن جميع الفضائيات العربية، لسبب بسيط: أن مفهوم العقلانية نفسه مضيَّع ومُتنَكَّر له على نطاق واسع في سنواتنا، ليس فقط لدى الجماعات المتطرفة المتأسلمة، بل في غالبية التجمّعات البشرية الكبيرة في العالم العربيّ، وإن اتخذ التنكّر والتضييع لبوساً زاهياً مدعياً للحداثة والمعاصرة إذا استوجب الأمر. خذْ مثلا الدراسات العليا في الجامعات العربية التي لا تقوم إلا شكلانياً على منهجية البحث ومنطق الاستقصاء الصارم إنما على إعادة الصياغة الأقرب للسرقة الفكرية، وخذْ اشتغال المثقف المتحوّل الحداثيّ لصالح مؤسسات تُناقِض جذرياً مشروعه وتحوّلاته. ماذا يبقى إذنْ من العقلانية، بل المنطق البسيط المتسق، ولماذا لا يتصاعد الخطاب الدينيّ ومصطلحاته بديلاً كبيراً، حتى لا نقول وحيداً تقريباً لما سواه؟.
الخطاب الدينيّ يقتحم، دون شك، الفضاء المتلفز بطريقة لا تستجيب لمفهوم "ساعة لقلبك وساعة لربك".
الخطابُ الدينيّ يقتحم الفضاء
نشر في: 27 فبراير, 2015: 02:50 ص