بعض الموضوعات السياسية والدينية والجنسية تعتبر من التابو في الثقافة العربية، حتى أن تحريم طرحها للملأً جعل منها تقريباً (طابو) لجهات بعينها سياسية ودينية وطبية.
مما تجدر الإشارة إليه، قبل الدخول في فحوى هذه الكلمة، أن التابو (المحرّم) مفردة مأخوذة بالأصل من اللغات البولينيزية (كابو)، وأن جيمس كوك أشاعها في أوروبا بعد عودته من تاهيتي. وهي تعني في الأدبيات الأثنوغرافية الناهضة من يومها الحظر ذا المرجعية المقدّسة الذي يؤدي خرقه إلى العقوبة. أما الطابو أي سند الملكية أو حجة التملك أو إدارة تسجيل الأراضي، فهو وثيقة رسمية توضح حق التملك لعقار أو أرض، أو هو في مصر الشهر العقاريّ. وأصل الكلمة تركيّ (tapu).
تبرز اليوم أكثر من أي وقت مضى مخاطر ترْك العلمانيين والمعنيين بشؤون اللسانيات والجماليات والإرث البلاغيّ وفنون الإسلام، للسلفيين والمتقعّرين والأكاديميين الباردين مقطوعي الصلة بالعصر.
في الستينات والسبعينات شهدنا مواظبة كتاب علمانيين وقوميين ويساريين ومتنورين في التنقيب بالتاريخ الإسلاميّ من وجهة نظر أخرى، جلبت الانتباه الواسع. فقرأنا لفيصل السامر "ثورة الزنج" و"الأصول التاريخية للحضارة العربية الإسلامية في الشرق الأقصى" و" التسامح الديني والعنصري في التاريخ العربي الإسلامي "، وقرأنا كتب حسين مروة "تراثنا كيف نعرفه" و"النزاعات المادية في الفلسفة العربية والإسلاميّة"، وقرأنا لمهدي عامل “في علمية الفكر الخلدونيّ” و"أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية"، وللطيّب تيزيني "النص القرآنيّ أمام إشكالية البنية والقراءة" و"من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة" و"فصول في الفكر السياسيّ العربيّ" و"من الاستشراق الغربيّ إلى الاستغراب المغربيّ". وقرانا لآخرين غيرهم لا يسع المجال لذكرهم.
وبقينا نقرأ بعد ذلك، من بين آخرين، لهادي العلوي "الاغتيال السياسيّ في الإسلام" و"من تاريخ التعذيب في الإسلام" و"فصول من تاريخ الإسلام السياسيّ"، ولسيد القمني "النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة" و"حروب دولة الرسول" و"النبي إبراهيم والتاريخ المجهول".
كانت المشكلة تكمن، فيما رآه بعض النقاد، بُعْداً أيديولوجيّاً في كتاباتهم، كأن ينقّب الماركسيون بطريقة آلية عن تمظهرات الصراع الطبقيّ في ثنايا هذا الإرث، وكأن يُمجِّد القوميون العرب التراث دون موقف نقديّ أو روح التوازن، ويرفعونه عما سواه بكل الأثمان ومنها تلفيقية محض.
ثم شهدنا تخلّياً واسعاً، كان من نتائجه صعود نسخ مشوّهة وغير موضوعية ورجعية للتاريخ والثقافة الكلاسيكية، ورسوخ رؤية وحيدة، قمعية، زجرية ويصعب نقاش رؤيتها لتراث الإسلام، لعلّ من تجلياتها البارزة فكر القاعدة وداعش ومن يدور في فلكهما من قريب أو بعيد.
التخلي عن ثقافة الماضي وآدابه وفنونه،وعدم الخوض بها سمح للاتجاهات الدموية الصاعدة أن تعتبر هذا الماضي شاناً (محرّماً - تابو) وافترضت حيازتها على سند ملكية (طابو) له تخصّها وحدها. التكفير بل التقتيل هو وجه بارز من وجوه هذا التابو، بينما هجران الفئات المتنوّرة والعلمانية لهذا الشأن يبدو وكأنه اعتراف خفيّ بسند طابو السلفيات التكفيرية لآداب وفنون الإسلام.
في هذا الصدد علينا إعادة تعريف جامع شامل لهذا التراث، في الأقلّ لجهة طريقة استخدامه وحيازته، والاعتراف كما تفعل الثقافات الأوروبية بالنسبة لتراثها الإغريقي واليونانيّ (أليس هذا هو بالضبط تراثها؟) بأنه من المرجعيات الممكنة التي قد تعيد عليه طرح بعض الأسئلة التي تؤرق حاضرها والذي لعله يمتلك إجابات عليها من دون أن يكون المرجعية الحصرية الوحيدة، كما قال هنري لوفيفر بتعابير أخرى.
"التابو" و"الطابو" في الحقل الثقافـيّ
نشر في: 13 مارس, 2015: 09:01 م