(1-2)
ما زلتُ مُلحّاً على ضرورة التعرُّف على تقاليد جمالية غير الجماليات اليونانية، في الفن التشكيليّ وفي الشعر، لأسباب مترابطة، يتعلـَّق بعضها بحدود معرفة شعرنا العربيّ بتخوم وأساسات الشعر الآسيويّ.
الشيجينغ Shi jing أو (قانون القصائد) هي أقدم مجموعة من القصائد المعروفة في الأدب الصينيّ. قد يكون كونفوشيوس جمعها، فهو يستشهد بها غالباً في (حواراته) الشهيرة مع أتباعه مُؤسِّساً بذلك تقليداً عريقاً من التعليقات والمراجع اللازمة لكلاسيكيّات الحوار عند أدباء الصين.
يمكن القول إن (قانون القصائد) هو "الكتاب المُقدَّس للشعر في الصين"، لأنه يشكّل جزءاً من خمسة جينغ (كتب قانونية) أو معيارية canoniques عالية القيمة، أي تلك الأعمال التي كان يُشرِف عليها، بهذا القدر وذاك، كونفوشيوس. تُرْجِع الأعراف الثقافية الصينية اختيار القصائد الـ 305 التي تتكون منها أنطولوجيا (قانون القصائد) إلى كونفوشيوس نفسه، ومن المحتمل أن الكتاب كان موجوداً، كما هو معروف الآن، قبل كونفوشيوس الذي منح فحسب دافعاً قوياً لدراستها. كان كونفوشيوس يقول إن الإنسان الذي يتجاهل قصائد الكتاب هو "كمن يقف في مواجهة جدار مكتفياً بحدود نَظَرِه، غير قادرة على التحرُّك إلى الأمام".
نُقدمّ هذا العرض المُوسّع من مصادر شتى لمتعة قارئ (المدى): تنبثق نصوص (قانون القصائد) من عالم الفلاحين على حوض النهر الأصفر، وترقى لأسرة تشو (1027-771 قبل الميلاد) أو من الحقبة المسماة الرباع والأخارف (جَمْع ربيع وخريف) (770-476 قبل الميلاد) ، ولأنها تنحني خصوصاً على أغاني الحبّ في القسم الأول منها، فقد استخرج منها علماء الصينيّات المعاصرون معطيات جوهرية بشأن الحياة اليومية في الصين القديمة، فهي تُظْهِر بوضوح مجتمعاً مُتَمَحْوِراً على دورات فصول الطبيعة، والتناوُب بين مبدئي اليين واليانغ، والفصل الوظيفيّ بين الجنسين أثناء العمل الزراعيّ. هذا الفصل الجنسانيّ كان منسياً وملغياً خلال احتفالات القرية، حيث تجتاز الفتيات والفتيان النهر معاً، متناوبين المقاطع المقفّاة، مُتّحدين. اتحاد ذو طبيعة خصوبية، لأنهم سوف يتزوجون في العام المقبل في نهاية المطاف.
قصائد المجموعة صدّاحة بالقافية لكي يسهل حفظها عن ظهر قلب، لذا يُمكن الاعتقاد أن النصّ الحالي، المُقسَّم إلى أربعة أجزاء، قريب للغاية من النص الذي كان يعرفه كونفوشيوس. يُعَنْوَن الجزء الأول بـ (قوه فنغ) أي "هواء الإمارات" ويتكوّن من شعر شعبيّ أو ذي طابع شعبيّ، دنيويّ في غالبيته، مجموع وفق منشأه الأصليّ.
أما اليا (أي "ما يُناسب")، فإنه يشكلّ الجزئين التاليين اللذين ينقسمان إلى (يا) صغيرات، وفيها يتمّ جمع قصائد البلاط، المُغناة خلال الاحتفالات والطقوس الرسمية قليلة الشأن، ثم إلى (يا) كبيرات، أي الأغاني التي تُؤدى في مناسبات رسمية صارمة، كالمراسيم الملكية، الجزء الرابع، سونغ ("مديح")، يتضمن أساساً أناشيد دينية، في مدح الملوك الأوائل، وتُؤدَّى خلال تقديم الأُضاحي.
مثل جميع الشعوب، كانت الأغاني الدينية من أقدم نصوص الأنطولوجيا الصينية، وهي تُقال خلال الرقصات الدينية أو الأضحيات المُقدَّمة لكبار ملوك أسرة تشو، وعظماء أرباب الطبيعة. البناء العام لها بدائيّ إلى حدّ كبير، فهي مكتوبة بأسلوب بسيط، من دون زخرف لفظيّ، تغيب عنها القافية أو تتناوَب بشكل غير مُنتظَم، ولا وجود للمقاطع فيها. تغيب عنها كذلك الاهتمامات الأدبية الصرف، وتحضر بدلاً عنها المشاعر الدينية السائدة. ويُعتقد أنها ترقى إلى الملوك الأربعة الأوائل من السلالة المذكورة (أي نحو القرن العاشر ق.م). تراتيل بلاد (لو) لاحقة وتُقلـِّـِد أناشيد (تشو)، مثلها مثل التراتيل المسمّاة شانغ التي لا ترقى إلى هذه السلالة، ولكن تأتي من إمارة سونغ.
يُتْبَع