(3-3)
لعلّ من الواجب أن نفهم لماذا اعتبر الصينيون النصَّ الشعريّ قضية معياريةً، أقرب لمقدّسهم وتصوّفهم، وهل في بنية لغتهم ما يسمح تمسُّكا بهذا الاعتبار؟. وما درجة الفارق بين اعتبارهم واعتبارات الثقافة العربية عن الشعر؟.
علينا تقديم إيضاح لما قلناه عن مفردة (شعر) الصينية، ودائماً وفق المتخصصين. اللغة الصينية، تقول أوديل كالتينمارك، تنطوي على تعدّد قواعديّ يَمُسّ جميع المفردات، الممنوحة لذلك استقلالية وسطوة إيحائية: "عدم دقة الجمل تَجُرّ معها ضرورة [مبدئي] الإيقاع والتوازي، لذا فهي لغة تتضمّن تلقائياً الأشكالَ الشعرية. إنها لا تمتلك بالأحرى كلمة تعني (الشعر) [كما نعرفها]: التشي ذات معنى أكثر ضيقاً يُعارِض مفردة النثر = سانوين في الأدب المعاصر الذي لا يتعرّف على التصنيفات الأدبية التقليدية". غير إن هناك قبولاً بأنّ تنطوي التشى علي دلالة [اخرى]، وهو أن تكون تعبيراً عن (القصيدة). تقول المتخصصة الفرنسية إن دلالة "الإيقاع والتعبير الشعريّ تلعب دوراً جوهرياً في مجمل الأدب الصينيّ، لذا يصعب أحياناً تصنيف نوع أدبيّ بصفته نثراً أو شعراً. لم يقع (الكلام) بالشعر قَطَّ، فقد كان يُنشد حيناً ويُغنّى حيناً وكان يوجد [بهذه الصفة] في كل مكان من الصين". وتمضي قائلة إن "الكتّاب أدركوا، في حقبة تانغ، الإمكانيات الخاصة بلغتهم، واكتشفوا بشكل خاص أن النغمات [التونات أو النبر] إنما هي جزء لا يتجزأ من المفردات. وهكذا ميَّز المُنظّرون وصنّفوا أنواعاً من التوازيات في التعابير وفي الأبيات. لتغدو اللغة الشعرية [من وقتها] في غاية التعقيد". وتخلص المتخصّصة إلى إن هذه اللغة الشعرية "من التعقيد بحيث أن العقبات ذات الطبيعة الشكلية فيها تُصعِّب جميع محاولات ترجمتها إلى لغة أوروبية. إن وفرة "التلميحات الأدبية" تتطلب من القارئ سعة اطلاع هائلة. يتوجب، بالنسبة للموضوعات التقليدية، والتنميطات المكرّرة والصور والمجازات، معرفة الفكر الصينيّ القديم لفهم رمزيتها. على مرّ القرون، عندما هجر بعض الماندران [العلماء البيروقراطيين] الحياة العامة التي جمّدتهم، فقد عبَّروا بأبيات شعرية عن دافع التصوُّف الطاويّ المُرقَّق بالمساهمة البوذية، كما عن العودة إلى حالة البراءة. عند احتفائهم بالطبيعة والصداقة والبلد الأم والإخلاص بعد الانفصال، وجدوا مشاعر من العفوية ذات القيمة الشمولية".
لهذا السبب تكوْن لمفردة تشي، الاسم المذكّر، دلالة الأغنية والقصيدة، وليس الشعر – النوع، رغم أنها صارت تعبّر عن النوع الشعريّ الصينيّ المُمارَس في فترتي التانغ والسونغ.
في العربية أيضاً الشعر اسم مُذكّر، فهل كان يُعبّر بالأصل عن الأغنية والقصيدة، قبل تعبيره عن النوع الأدبيّ المعروف؟. الإجابة صعبة بغياب الآثار الدقيقة التي تسبق مُعلّقاتنا. لكن، إذا اعتبرنا (ترنيمة الشمس) الحميرية سلفاً ممكناً من أسلاف الشعر العربيّ، وأنها تمُتّ بصلة للأناشيد الرافدينية، لَحَقَّ لنا الاعتقاد أن الاغنية والقصيدة هما أصل الشعر العربيّ.
دون تعارُف مباشر بينهما، جميع الأسئلة التي طرحتها أوديل كالتينمارك عن الشعر الصينيّ، طرحها د. يوسف محمد عبدالله عن ترنيمة الشمس: "إذا كان بالإمكان أن يكون مضمون هذا النص اليمنيّ القديم هو دعاء استسقاء، فما بال شكله؟ وأيّ نوع من أنواع الكتابة والإنشاء؟ أو قُلْ هل يندرج النص ضمن أيّ نوع من أنواع الأدب نثراً كان أم شعراً؟".وحتى بشأن النبر (التونات) يتطابق الأمر، يقول: "وحاولتُ أن أطبّق على النص أوزان العرب وقارنته بالأشعار الشعبية اليمنية وأشعار لهجات المهرة وسقطرة وبعض المنظومات من البلاد الإفريقية المجاورة، فبدا لي أن هذا الضرب من الكلام ربما كان قائماً على نقش شعريّ قديم يعتمد على استغلال النبرة كعنصر موحّد، وينتظم كلّ سطر عدد معين من النبرات، وتكون القافية آخر موضوع للنبر فيه. وهذا يخالف الفن الشعريّ العربيّ الذي يعتمد أوزاناً كمية يحكمها عدد المقاطع".
أحسبُ أن النوع الشعريّ العربيّ تطوّر بدوره عن أغنية وقصيدة، من الناحية الشكلية في الأقلّ، وللحديث بقية.
كتاب الصين المُقدَّس للشعر
نشر في: 8 مايو, 2015: 09:01 م