(1-2)
دائماً ما قيل، عن حق، أن البحث والتأمل إنما هو حلقات تقود إلى بعضها. وأحسب ان تأملنا السابق في (الشعريات) الآسيوية، قد يقود إلى مقاربة مفيدة عن تطوّر شكل أو أشكال الشعر العربيّ. لا تنقص الوثائق الصينيّة المؤكدة التي تبرهن تطوّر (النوع الشعريّ) في الصين انطلاقاً من الأغنية، فالقصيدة، فالشعر بصفته نوعاً أدبياً. هذه الفرضية عينها تبدو ممكنة للغاية ومتماسكة فيما يتعلق بالنوع الشعريّ العربيّ الذي يتوجب بشأنه بناء مستمسكات الفرضية، قطعة فقطعة، ودليلاً فدليلاً، وكلها موجودة، كما نحسب.
العودة إلى التأملات الرصينة المعروفة القائلة بأن أصل الغناء هو العمل، وأن الغناء أصل القصيدة (لوكاش مثلاً)، تبدو غير كافية تماماً لدى استنطاق التطوّر نحو (النوع الشعريّ)، وذلك من دون أدلة ملموسة، خاصةً في الثقافات التي تحتفظ للشعر بمثل المكانة التي يحتلها لدينا.
فلنعالج الموضوع خطوة خطوة. ما هو (النوع الشعريّ) في البدء، ولماذا لا يعادل الأغنية أو القصيدة؟.
إذا كان النثر "خطاباً مطلق السراح" يهدف المضي قدماً، فإن الشعر، تاريخياً، هو "خطاب محسوب الخطى"، أي أنه يلتزم، في الأقل، الوزنَ أو نوعاً أقل تعقيداً منه (كالنبر) في متابعة خطاه، فتتخذ اللغة الشعرية عبره شكل الابيات التي يمكن تجميعها في مقاطع مُعلّمة بطابع موسيقيّ بدائيّ أو مُعقد. هذا من الناحية الشكلية والتاريخية التي لا يستجيب لها بالضرورة "مفهوم النوع الشعريّ" ولا الشعر الحديث. في النوع نتحدث عن إبداع ذاتيّ، واختراعات لفظية وكشوف رؤيوية، عبر استثمار طاقات المعجم وتفجيرها وخلق الصور والاستعارات الفريدة منها. بعبارة أخرى، أزاحتها عن دلالاتها المعتادة، وشحنها بروح آخر، حتى يمكن الحديث عن لغة جديدة في اللغة الشائعة.
من الناحية الشكلية فحسب: قد يكون الشعر العربيّ قد تطور من الشعر الأكدي – البابلي- اليمنيّ القديم القائم على النبر (التونات)، وليس السومريّ نظراً لاختلاف طبيعة اللغة السومرية. حسب الباحث أفاناسييف Afanasiev، تقوم الاشعار الأكدية على أبيات يلعب النبر فيها دوراً أساسياً، وأن الإيقاع أو القرع الموسيقي يشكل الأصل للكلمات الملفوظة خلال الغناء، خاصة أناشيد النحيب الشهيرة. ويذكر ويست M. L. West أن الشعر الأكديّ "يقوم على حساب الذروات المنبورة. غالبية المتخصّصين يذهبون إلى وجود (معيار) لبيت ذي أربع ذروات منبورة ظاهرة تمنح التوازن لاثنتين مقابل اثنتين"، ويُحلّل ويست بعض أبيات أينوما إيليش البابلية. ويقول إن "هذا المعيار كان حاضراً في جميع العصور، مهيمناً بالأحرى، ففي الأبيات الأقصر هناك عموما ثلاث نبرات واضحة، ولكن في بعض الأحيان اثنتين فقط، في حين أن الأبيات الأطول قد يكون لها خمس أو ست نبرات، وفق هاوسمان".
هذا يتطابق مع التحليل الوزني (القائم على المنبور) فيما سُمّي ترنيمة الشمس الحميرية المستلهمة من التقليد الوزنيّ الرافديني، سوى القافية التي يبدو أنها غير موجودة في الشعر الأكدي – البابليّ، في الأقل وفق الطريقة ذاتها الموجودة في ترنيمة الشمس، والأخيرة تؤكد، من جهتها وبشكل قويّ، أنها سلفٌ لفكرة القافية في الشعر والنثر العربيّين. اختلاط الشعر بالنثر المعروف في تاريخ الشعر الصينيّ مشهود له عندنا أيضا عبر القافية أو السجع.
يبدو المسار المنطلق من النبر الأكديّ إلى الحميريّ، منطقياً ومُبَرْهناً عليه بالشواهد والأدلة والآثار الباقية، بل بالشعر البدويّ حالياً.
إذا كانت ترنيمة الشمس دليلاً صريحاً على اشتراك الشعر الحميريّ، قرين اللغة العربية، مع الشعر الرافديني، بمفهوم النبر من جهة، ومن جهة أخرى قيام القافية في الترنيمة كدليل على اندغام النثر والشعر في لحظة ما، وأن قوافي الترنيمة إنما هي سلف قافيتنا، فما هي الدلائل على تطوّر النبر إلى كتلة موسيقية معقدة، أي أوزان شعريّة كمية يحكمها عدد المقاطع، ومن ثم ما هو دليل الانتقال من الأغنية فالقصيدة فالنوع الشعريّ العربيّ؟.