TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كرونولوجيا افتراضيّة لتطوُّر شكل الشعر العربيّ

كرونولوجيا افتراضيّة لتطوُّر شكل الشعر العربيّ

نشر في: 22 مايو, 2015: 09:01 م

(2-2)

 

توقّفنا أمام فرضية أن النوع الشعريّ العربيّ قد تطوّر وزنياً من شعر يقوم على (النبر) المشهود له في ترنيمة الشمس الحميرية التي تشترك بهذه الصفة الإيقاعية مع الشعر الأكديّ والبابليّ، لكنها تضيف لنا فرضية أن القافية فيها قد تكون أصل القافية في النثر (السجع) والشعر العربيين.
هنا لا يمكن الحديث بعد عن اختلاف نوعيّ بين الشعر والنثر، أي عن الشعر نوعاً قائماً يعلق أهمية عظمى على اللغة بحيث أنه قد يستغني عن السرد والفكرة والرسالة؛ متمسِّكاً فحسب ببهاء وسطوة إيحاء الكلمات ومعانيها الثانوية، حتى لا نتحدث عن المخيلة أو الوصف الخلّاق الذاتيّ المشابه للتخييل. وهو ما نجده، مكتملاً، في المعلقات التي إذا قيل لنا أنها قد تكون منحولة، فلن يُشَكّ بأن شعراء كامرئ القيس قد عاش بين (520م - 565م) والنابغة الذبياني قد عاش بين (٥٣٥م- ٦٠٤م)، ولا يُشَكّ تقريباً بأن حسان بن ثابت قد قال قصيدة البردة في القرن السابع الميلاديّ. ومثال البردة دليل على نص مكتمل كـ (نوع شعريّ)، لا بدّ أنه استهدي بمعيار جماليّ وشكليّ سابق مستتبّ، قائم على إيقاعات تتجاوز إيقاع النبر. النص القرآني نفسه بصفته اكتمالا نوعياً يثير إشكالية مزدوجة هي التعالق بين الشعر والنثر، وحضور القافية فيهما كليهما، كأنه يستند إلى إرث أقدم. الأصول الرافدينيّة والحميريّة، المعروفة اليوم، أفادت واغترفت العبرية منها كما في نشيد الإنشاد، وربما بقوة في سفر أيوب الأدومي وهو عربيّ من دومة الجندل. لا نعدم الدراسات الرصينة التي تربط بوضوح بين الشعر الأكديّ والنصوص العبرية اللاحقة من الناحية الإيقاعية والموضوعاتية.
لا بد أن (النوع) الشعريّ كما نعرفه في قصيدة البردة، كان قائماً قبل أكثر من ثلاثة قرون، في المنطقة السامية، ولعله وصل اكتماله نهاية القرن السادس الميلاديّ، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن نقش النمارة، نحو 323م، يبيّن اكتمال اللغة العربية منذ بداية القرن الرابع الميلاديّ. لذا فإن إشارة ابن سلام والجاحظ أن النصوص الشعرية العالية تسبق الإسلام بمئة أو مئتي سنة ليست دقيقة كما يبدو. فما ينقله جواد علي يؤكد أن "الشعر أقدم من ذلك التاريخ بكثير، وقد أشار المؤرخ (سوزيموس) إلى وجود الشعر عند العرب، وهو من رجال القرن الخامس للميلاد، إلى تغني العرب بأشعارهم، وترنيمهم في غزواتهم بها. في سيرة القديس (نيلوس) المتوفى نحو سنة 430 بعد الميلاد، أن أعراب طور سيناء كانوا يغنون الأغاني وهم يستقون الماء من البئر". وكل ذلك يُبقينا في الأغنية وليس في النوع الشعريّ.
إذا كان صحيحاً أن بحر الرجز يهيمن على الترنيمة الحميرية، فالأمر مفهوم تماماً لجهة أن "مطية الشعراء" هذا، يقيم من جديد، بجوازاته وزحافاته الكثيرة، تعالقاً بين النثر والشعر، لكنه إلى الشعر أقرب، طالما يعتمد نغمات كميّة يحكمها عدد المقاطع، وليس النبر.
لا يمكن فهم تطوّر شكل أو أشكال الشعر العربيّ من دون رؤية أصل مشترك للنثر والشعر كليهما. هنا يشخص الرجز دليلاً على أثر التقاليد الشفوية في تكوين شعرنا، ومن ذلك قصائد ترقيص الأطفال، وأراجيز الحرب، وتعاويذ الكهان، والأهازيج والحداء وأشعار الحج..الخ (وجُلّ هذه تعتمد على الرجز) التي قد تبرهن أن نوعنا الشعريّ قد تطور من أغنية شفاهية قبل أن يصير قصيدة.
لعل نقطة الانتقال الحاسمة من الأغنية فالقصيدة - الأرجوزة فالنوع الشعريّ، تقع في اللحظة التي ارتبطت القصيدة -الأرجوزة فيها بالكهانة والسحر والتنبؤ، ونشوء علاقة معقدة بين البشر والطبيعة والنظام الاجتماعيّ والقيميّ، فكان الشاعر يقوم مقام المتنبئ المُلقَى في قلبه (عبقر، عبقريّ). مجازياً قد يصحّ القول إن إسماعيل كان أول الشعراء – الأنبياء الأخلاقيين عندما اتخذ الكلام على صورة أناشيد يتغنى بها المصلّون في صلاتهم في المعبد، ينظمها ويرتّلها. أقدم شعر عربيّ فصيح مدوّن، نقش عين عبدات النبطي الذي يعود تاريخه إلى القرن الأول أو الثاني بعد الميلاد (أشك بالتاريخ قليلاً) يبرهن علاقة الشعر الأولى بالسحر والدين، وهما بيتان اعتُبرا عموديين:
فيفعـــلُ لا فِدا ولا أثرا فكــان هُنــا يَبْغِنـــا
الموتُ لا أبْغَهُ من هُنا - أدَدُ جُرحٌ لا يُرْدِنا
ظنّ الباحث بلمي أنهما من الطويل. وعُرضا على سعدي يوسف فرجّح أنهما أقرب الى البسيط، واعتقد عبد الرزاق عبد الواحد انهما ليسا موزونين، وحسب صلاح عواد فإنهما يقتربان من بحر الطويل، الا أنه يميل الى أنهما من الرجز.
لم يرقَ البيتان بعد، في هذا المثال المتقدّم زمنياً، إلى مستوى النوع الشعريّ المكتمِل اللاحق الطالع في القرن الخامس للميلاد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. جهاد الشيخ علي

    شكرا للكاتب السيد شاكر لعيبي لتلويحة المدى التاريخي للشعر العربي الذي يجب أن يعتبر فخر اللغة وأحجارها الكريمة والتي تثبت لنا وللعالم أجمع أنها لغة توحد بلساننا و عروبتنا ووجودنا.

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram