(2-2)
توقّفنا أمام فرضية أن النوع الشعريّ العربيّ قد تطوّر وزنياً من شعر يقوم على (النبر) المشهود له في ترنيمة الشمس الحميرية التي تشترك بهذه الصفة الإيقاعية مع الشعر الأكديّ والبابليّ، لكنها تضيف لنا فرضية أن القافية فيها قد تكون أصل القافية في النثر (السجع) والشعر العربيين.
هنا لا يمكن الحديث بعد عن اختلاف نوعيّ بين الشعر والنثر، أي عن الشعر نوعاً قائماً يعلق أهمية عظمى على اللغة بحيث أنه قد يستغني عن السرد والفكرة والرسالة؛ متمسِّكاً فحسب ببهاء وسطوة إيحاء الكلمات ومعانيها الثانوية، حتى لا نتحدث عن المخيلة أو الوصف الخلّاق الذاتيّ المشابه للتخييل. وهو ما نجده، مكتملاً، في المعلقات التي إذا قيل لنا أنها قد تكون منحولة، فلن يُشَكّ بأن شعراء كامرئ القيس قد عاش بين (520م - 565م) والنابغة الذبياني قد عاش بين (٥٣٥م- ٦٠٤م)، ولا يُشَكّ تقريباً بأن حسان بن ثابت قد قال قصيدة البردة في القرن السابع الميلاديّ. ومثال البردة دليل على نص مكتمل كـ (نوع شعريّ)، لا بدّ أنه استهدي بمعيار جماليّ وشكليّ سابق مستتبّ، قائم على إيقاعات تتجاوز إيقاع النبر. النص القرآني نفسه بصفته اكتمالا نوعياً يثير إشكالية مزدوجة هي التعالق بين الشعر والنثر، وحضور القافية فيهما كليهما، كأنه يستند إلى إرث أقدم. الأصول الرافدينيّة والحميريّة، المعروفة اليوم، أفادت واغترفت العبرية منها كما في نشيد الإنشاد، وربما بقوة في سفر أيوب الأدومي وهو عربيّ من دومة الجندل. لا نعدم الدراسات الرصينة التي تربط بوضوح بين الشعر الأكديّ والنصوص العبرية اللاحقة من الناحية الإيقاعية والموضوعاتية.
لا بد أن (النوع) الشعريّ كما نعرفه في قصيدة البردة، كان قائماً قبل أكثر من ثلاثة قرون، في المنطقة السامية، ولعله وصل اكتماله نهاية القرن السادس الميلاديّ، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن نقش النمارة، نحو 323م، يبيّن اكتمال اللغة العربية منذ بداية القرن الرابع الميلاديّ. لذا فإن إشارة ابن سلام والجاحظ أن النصوص الشعرية العالية تسبق الإسلام بمئة أو مئتي سنة ليست دقيقة كما يبدو. فما ينقله جواد علي يؤكد أن "الشعر أقدم من ذلك التاريخ بكثير، وقد أشار المؤرخ (سوزيموس) إلى وجود الشعر عند العرب، وهو من رجال القرن الخامس للميلاد، إلى تغني العرب بأشعارهم، وترنيمهم في غزواتهم بها. في سيرة القديس (نيلوس) المتوفى نحو سنة 430 بعد الميلاد، أن أعراب طور سيناء كانوا يغنون الأغاني وهم يستقون الماء من البئر". وكل ذلك يُبقينا في الأغنية وليس في النوع الشعريّ.
إذا كان صحيحاً أن بحر الرجز يهيمن على الترنيمة الحميرية، فالأمر مفهوم تماماً لجهة أن "مطية الشعراء" هذا، يقيم من جديد، بجوازاته وزحافاته الكثيرة، تعالقاً بين النثر والشعر، لكنه إلى الشعر أقرب، طالما يعتمد نغمات كميّة يحكمها عدد المقاطع، وليس النبر.
لا يمكن فهم تطوّر شكل أو أشكال الشعر العربيّ من دون رؤية أصل مشترك للنثر والشعر كليهما. هنا يشخص الرجز دليلاً على أثر التقاليد الشفوية في تكوين شعرنا، ومن ذلك قصائد ترقيص الأطفال، وأراجيز الحرب، وتعاويذ الكهان، والأهازيج والحداء وأشعار الحج..الخ (وجُلّ هذه تعتمد على الرجز) التي قد تبرهن أن نوعنا الشعريّ قد تطور من أغنية شفاهية قبل أن يصير قصيدة.
لعل نقطة الانتقال الحاسمة من الأغنية فالقصيدة - الأرجوزة فالنوع الشعريّ، تقع في اللحظة التي ارتبطت القصيدة -الأرجوزة فيها بالكهانة والسحر والتنبؤ، ونشوء علاقة معقدة بين البشر والطبيعة والنظام الاجتماعيّ والقيميّ، فكان الشاعر يقوم مقام المتنبئ المُلقَى في قلبه (عبقر، عبقريّ). مجازياً قد يصحّ القول إن إسماعيل كان أول الشعراء – الأنبياء الأخلاقيين عندما اتخذ الكلام على صورة أناشيد يتغنى بها المصلّون في صلاتهم في المعبد، ينظمها ويرتّلها. أقدم شعر عربيّ فصيح مدوّن، نقش عين عبدات النبطي الذي يعود تاريخه إلى القرن الأول أو الثاني بعد الميلاد (أشك بالتاريخ قليلاً) يبرهن علاقة الشعر الأولى بالسحر والدين، وهما بيتان اعتُبرا عموديين:
فيفعـــلُ لا فِدا ولا أثرا فكــان هُنــا يَبْغِنـــا
الموتُ لا أبْغَهُ من هُنا - أدَدُ جُرحٌ لا يُرْدِنا
ظنّ الباحث بلمي أنهما من الطويل. وعُرضا على سعدي يوسف فرجّح أنهما أقرب الى البسيط، واعتقد عبد الرزاق عبد الواحد انهما ليسا موزونين، وحسب صلاح عواد فإنهما يقتربان من بحر الطويل، الا أنه يميل الى أنهما من الرجز.
لم يرقَ البيتان بعد، في هذا المثال المتقدّم زمنياً، إلى مستوى النوع الشعريّ المكتمِل اللاحق الطالع في القرن الخامس للميلاد.
جميع التعليقات 1
جهاد الشيخ علي
شكرا للكاتب السيد شاكر لعيبي لتلويحة المدى التاريخي للشعر العربي الذي يجب أن يعتبر فخر اللغة وأحجارها الكريمة والتي تثبت لنا وللعالم أجمع أنها لغة توحد بلساننا و عروبتنا ووجودنا.