مرة أخرى، شهدت وقائع ما سُميَ بالربيع العربيّ استخدامات متناوِبة للصورة، لقول رسالةٍ من قبل طرفٍ، وقول نقيضها من قبل طرف مناوئ، حول الموضوع والفضاء المحدد نفسه. كما تناوبت وسائط نقل الصور، كالصحافة والتلفزة والنيت، على تقديم صُوَر عالية الجودة والرفعة جمالياً، وأخرى مُصنّعة تصنيعاً، مُركَّبة، أقرب للتدليس إذا لم تكن محض تزوير تُعاقِب عليه البلدان.
التدليس مفهوم قانونيٌّ، وصالح للحديث عن التزوير البارع والأقلّ براعة الذي شهده العالم العربي في السنوات الأخيرة. في سنوات بعد 2003 في العراق وطيلة (الحدث السوريّ) المستمر، وحتى الآن شهدنا تدخلاً مقصوداً على الصورة، يدخل في باب الاحتيال والتزوير الذي يستثمر الحيلة البصرية والتقنية والتحوير الفاحش للمضمون، عبر التقنيات الرقمية الحالية يطول ذكر الأمثلة في كلمة صغيرة كهذه. ما زلنا أمام التدليس الذي يُعرَّف، وفق مصطلحات القانون المدنيّ، بما في ذلك العراقيّ، بأنه تعمُّد إيقاع المتعاقد الآخر في الغلط عن طريق الغش والخداع. ومن وسائل الاحتيال المادية التي تتحقق بها جريمة النصب الجنائيّ (انتحال صفة كاذبة، اصطناع مستندات مزوّرة مثل الشهادات والعقود الوهمية) التي تؤدي إلى إخفاء الحقيقة عن العاقد. نُدرِك وفق القانون أن التزوير ليس سوى عنصر واحد من عناصر ممكنة لعملية التدليس ودائماً للهدف نفسه: الخداع وتبديل قناعة المُدلَّس عليه، من أجل تحقيق غرض غير مشروع.
بعض الفضائيات والمحافل والجماعات المناوئة بل المنظمات التي يُفترض فيها الحياد، قدّمت هذا التدليس بأعلى صوره، وقد مرّ تدليسها مرور الكرام ولم يَعِرْه المعنيون ولا المشاهدون ما يستحق، وأقلّ ما يستحق في البلدان التي تحترم القوانين محاكمات جزائية صارمة وغرامات باهظة إذا لم نقل الحبس.
ما يزيد الطين بلة، أن هذا التدليس يتقدّم بهيئة بارعة، وأحياناً (جميلة)، عبر خبراء في تعاطي الصورة، وتقنيات رقمية ورتوش وجودة عالية، بإمكانها الإيحاء أن الأمر في غاية الصدق والواقعية، بل الجَّمال. هل يمكن أن تَكْذب الجماليات يا تُرى؟.
الصورة الفوتوغرافية تُفهم على نحو عموميّ على أنها وسيط تشكيليّ، لا يخضع في النهاية إلا لمنطقه الذاتي بعيداً عن المفهومين الأخلاقيين المتعلقين بالصدق أو الكذب، وبالقرب أو البعد عن الحقيقة، لأنها تتضمن حقيقتها الخاصة بها. بعض المصوّرين اليوم، وفي سياق الهمّ الجماليّ والحرفية وإثارة المشاهدين، يتدخل، بطريقة تُثير الاعتراض، على "الواقع الموضوعي" عبر تغيير "الشيء الفوتوغرافي" لاستخراج صورة رفيعة المستوى: جمالية. هنا يُطرح السؤال عن شرعية تدخلٍ حاذقٍ وجماليّ مثل هذا عن عدم شرعيته، ومدى اقترابه من التزوير وإن لم يتقصّد إيقاع الأذى؟. أعيد الاستشهاد بمثال سبق وأن سقته، من بين مئات الأمثلة: في نيسان من عام 2003 ظهرت في الصفحة الأولى من جريدة لوس أنجلس تايمز، بعد وقت قريب من الغزو الأمريكي للعراق، صورة جندي بريطانيّ في مدينة البصرة يومئ لمدنيّين عراقيّين لإيجاد مخبأ لهم. التقط الصورة براين والسكي الذي كان من طاقم التصوير في الجريدة، وتعرّض بسبب هذا التدخل إلى الطرد بعد أن اكتشف مديروه بأنه قد رَكّب من صورتين الصورةَ رفيعة الجمال التي نشرتها الجريدة. لقد انحرف المسعى الجماليّ فصار تزويراً. ولأن الأمر يتعلق بمزاعم تقديم واقع موضوعي قاسٍ، فإن المونتاج الذي قام به المصور الأمريكيّ كان يقرِّب فعلته من التدليس، لأنه يقع في إطار إيطيقيا صارت قليلة الأهمية أمام منافسة رأس المال العالميّ، والصراع الحالي الشرس في المنطقة العربية.
اليوم يختلط التدليس بالجَّمال الفوتوغرافيّ على نحو لم نشهده من قبل، فالأطراف جميعاً تودّ ربح المعركة بثمن التدليس، أو الجّمال إذا أمكن.
الصورة: الجَّمَال والتدليس
نشر في: 19 يونيو, 2015: 09:01 م