(1-2)
الفرضية الأساسية التي يمكن تطويرها تقوم على أساس إمكانية أن تكون المدرسة المعروفة في تاريخ الفن باسم لار ديكو Arts Déco قد تأثرت بالعمارة العثمانية المتأخرة، وكانت هذه الفكرة جوهر (المعماريّ والرسّام) الصادر في الشارقة 2014. هذه الفرضية لم تُناقش في رأينا، رغم أهميتها القصوى في فهم تشكُّل الحداثة ومن ثم المعاصرة، على الصعيد المعماريّ، في العالم الإسلاميّ، وفي قلبه العالم العربيّ: لأن مصر وبلاد الشام والعراق، في الأقلّ، كانت على ارتباط وثيق، تأثيراً وتأثُّراً، بجميع المجريات الثقافية في الدولة العثمانية.
يشكّل دخول لار ديكو، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلى العمارة العربية، حتى من دون الانتباه إلى أصلها العثمانيّ المقترَح، مفتاحاً ثميناً لإدراك علاقة جزء حيويّ من التشكيل العربي، العمارة، بفكرة الحداثة.
هذه الفرضية، تستطيع أن تقودنا إلى المفاصل الأولى، الرهيفة، غير البادية للعيان بوضوح، بقبول فكرة التجديد، أو نوع من التجديد، على صعيدٍ تشكيليّ يرتبط دون وسائط بجمهرةٍ من سكان المدينة العربية، وبالإحالة دائماً إلى إرثٍ يعرفونه حق المعرفة، وذلك قبل معرفة تلك الحداثة، أو معرفة ما كان ممكناً معرفته منها، على مستوى الفنون الأخرى: الرسم والنحت بشكل خاص.
يصير التوسُّع في طرح تفاصيل هذه الفرضية الجديدة، ضرورة لهذا السبب. وترتبط به منهجياً، دون شك، رؤية تجليات الفرضية نفسها في العالم العربي، مصر خاصة، التي تعلن بناياتها بين الأعوام 1870-1880 هذا (المذاق التزويقيّ العالي) المتطابق مع أعمال لار ديكو المعمارية العثمانية، الأصل المقترَح، وقبل أعمال هذه المدرسة المعمارية الأوربية المعروفة.
لقد ارتبطت كذلك فكرة "تحديث" العمارة المحلية بأمرين: تسلُّل العمارة الكولونيالية إلى العالم العربيّ، وبعد ذلك ولادة معماريين جدد وانبثاق التصوّرات عن العمارة الحديثة بشتى اتجاهاتها. كانت "الكولونيالية" تغترف عناصرها الأساسية من العمارة الأوربية الحديثة، لكن تطعِّمها بعناصر من العمارة الإسلامية والمحلية، أو تمنحها مظهراً محلياً. لعلّ للقاهرة النصيب الكميّ الأوفر من هذه العمارة لأسباب معروفة.
حاولت العمارة العثمانية منذ وقت أبكر من ذلك، مجاراة نمطٍ ما من العمارة الكولونيالية، في إسطنبول وغيرها من المدن الإسلامية كالقاهرة، ليس فقط لأسباب جغرافية وبيئية، ولكن لأنها كانت تحاول التقرُّب من العمارة الأوربية السائدة، (المعاصرة) يومها، مع البقاء، بوعي مُسبق، في تخوم عمارة تليق بإمبراطورية إسلامية.
إن بيوت الخواصّ البغداديين في الأحياء الشهيرة، على سبيل المثال، ستنغمر منذ ثلاثينات القرن الماضي وربما أبكر قليلاً، بزينة خارجية تتطابق الكثير من عناصرها (الشرفات والأفاريز والزينة بالطابوق.. الخ) مع هذا الأسلوب الفنيّ للار ديكو الخارج من القرن التاسع عشر، بالتزامُن مع الاستيهامات المألوفة من العمارة العراقية التقليدية. ومن هذه البيوت عينها سيستلهم بالأحرى بعض المعماريين العراقيين المعاصرين بعض تصاميمهم وعناصرهم المعمارية. الاسمان الأساسيان المعروفان بعودتهما إلى التراث المعماري المحليّ هما محمد مكية ورفعت الجادرجي، من بين آخرين.
هنا مفصل ثانٍ يتّسق منهجياً مع المفصل المنهجيّ الأول، فهو يحاول أن يُرِي كيف تواصلت الجهود في استلهام إرث الفن الإسلاميّ المُحدَّث، عبر الطريق العثمانيّ، من أجل تأسيس وعي حديث موضوعه العمارة التي هي تلخيص رفيع، مستتر لبعض مشكلات الفن التشكيليّ العربيّ الحديث.
في هذا المفصل ثمة نقطة عَرَضِيّة: يتوجب عدم نسيان مشكلة أخرى تتعلق بعموم الفن التشكيليّ العربيّ المعاصر، هي مشكلة (الخصوصية) الافتراضية على الصعيد المعماريّ هنا. ونظنّ أن "الخصوصية المحلية تشتغل في الحقل المعماريّ بصفتها أيديولوجيا" ثقافية في العراق على سبيل المثال، وتمثل عودة إلى المشكلة نفسها في فن الرسم، ولكن بمصطلحات العمارة وانشغالاتها.
مشكلات الخصوصية الافتراضية في الفن العربيّ المعاصر تعاوِد إنتاج نفسها في جميع الحقول.
العمارة العراقية المحليّة والعمارة العثمانيّة المتأخرة
نشر في: 14 أغسطس, 2015: 09:01 م