عندما يتحدث المرء عن (الخيال الماديّ) الظاهراتيّ المشار إليه في عمودنا السابق، يفكِّر لا محالة بإعادة قراءة كتاب غاستون باشلار المترجَم إلى العربية تحت عنوان "جماليات المكان"، بغداد 1980، علّه يجد فيه إشارات تعزّز ما يذهب إليه. وسيجد فيه بالأحرى إحالات أخرى تتعلق (بأحلام يقظة البيوت) المطروحة في النصوص الشعرية خاصة، ونظنّ أن باشلار لم ينتبه أو لم يرغب بالتوجُّهَ للبيوت الكهفية أو منازل الجبال مثل بيوت مطماطة وقصور تطاوين في تونس، وعمارة الصخور في منطقة كاندوفان في إيران، والعمارة الكهفية في منطقة بيجينغ في الصين، وشبيهتها في أوكرانيا في تيبه كرمين. لو أنه فعل لتوصَّل إلى نتائج أخرى لعله تركها بسخاءٍ لنا.
تلامِس فرضية (أحلام) و(أحلام اليقظة) عن المنازل بل تتطابق مع ذاك (الخيال الماديّ) لأنها تمنح حجرَ البناء وطينه حياةً مفعمة بالاضطرام. هذا الخيال، أو نوع منه، متحقق في بعض العمارة البدائية في البلدان الموصوفة بأنها ما قبل صناعية كما في مالي. الأمر الذي يقرِّب هذه العمارة في آنٍ واحد من خيال النصوص الشعرية التي يستشهد بها باشلار من جهة، ويجعلها من جهة أخرى، تلامِس نوعاً من خيالٍ سورياليّ عندما نتعرَّف عبر عناصرها المعمارية على معطيات اللاوعي المشدَّد عليه من طرف التحليل النفسيّ، المبثوث أيضاً في الشعر الذي يستشهد به عمل باشلار. هذه العمارة على وجه الخصوص هي شِعْر بدائي أصيل مهموم عميقاً بعناصر الديمومة في الوجود. لا يوجد تجلٍ أكبر لعناصر الديمومة كالسكن في قلب الصخر، رمز الأبدية.
غير أن خيالاً شعرياً متجسِّداً في عمل إبداعيّ مثل العمارة، أو أن تحققاً ملموساً لهذا الخيال لن تقع البرهنة عليه فقط عبر الزيارة الموضعية، أي عبر فعل المشاهَدَة والتأمل الذاتيّ للعمارة على أرضها، وهي زيارة سوف تُسْقِط من حسابها قليلاً مخططات المعماريين الهندسية وقياساتهم للأبعاد، الضرورية تماماً مع ذلك، وتجد بؤرتها في اعتبار العمارة، وفي المقام الأول، عملاً للبَصَر، وتعتبرها أمراً يُنظر إليه وتَستمتع به العيون، قبل أيّ أمر آخر. هنا يتجلى الطابع الذاتيّ للفضاء، المُشدّد عليه من قبل باشلار، بصورة عالية. وهنا تتقاطع لقطات العين الآدمية مع عدسات الكاميرا في استجلاء كنه هذا المكان، هذه العمارة التي خلقتها مخيلة بُناتها أيضاً جنب الضرورات الأخرى التي أدركوها. إن عمارة مثلها كانت قادرة على دفع جمهرة من الناظرين إليها إلى الحلم، كما قد يقول باشلار الآن، ونقول بأنها كانت قادرة على استحثاث صور غريبة خاصة بالسيّاح شخصياً وملامَسَة الخفيّ في أرواحهم والسريّ في ذاكرتهم. تعزّز الصور الفوتوغرافية، صورهم، يقيناً هذا الاستحثاث القويّ. السائحون الذين يضعون الصور الملتقطة من طرفهم لها على النيت يقومون بوضع رؤاهم الذاتية في الحقيقة، والأدلاء السياحيون يحلمون شخصياً (ها هي الذات الباشلارية) مع السيّاح وهم يتجولون معهم بمرح بين قصور مطماطة وكهوف تطاوين، ووكلاء السياحة الذين يكتبون العبارات الشعرية في كراريس السياحة عن غرابة العمارة الكهفية ويعززونها بالصور إنما يكتبون مجازياً “قصائد” بصرية عنها من دون سابق قصد.
أكثر من ذلك، قد يذهب هذا (الخيال الماديّ) في منازل مطماطة التونسية المحفورة في باطن الأرض إلى تجاوز بعض أطروحات باشلار القائلة إننا "نتصوّر البيت كائناً عمودياً. إنه يرتفع إلى الأعلى، فيميِّز نفسه بعموديته. إنه احدى الدعوات المُوجَّهة إلى وعينا بالعمودية" (باشلار ص45)، فهي لا تتابع النمط المألوف العموديّ الشاخص على الأرض الذي اعتبره الفيلسوف الفرنسيّ دليل انتصاب ومُواجَهَة وقوة. يقع سحرها كله في أنها ليست منتصِبة ولا في حالة مُواجَهَة وبالتالي تقع قوتها في الضعف المُخادِع الظاهريّ الذي هو في الحقيقة قوة الكهف وسريته السحرية وشعرية ظلاله.
غاستون باشلار: الخيال الماديّ
نشر في: 29 يناير, 2016: 09:01 م