(1-3)
في محاولةٍ للاقترابِ من الشعرياتِ الآسيوية، قمنا بترجمة (معجمٍ للأمثال الصينية) من الفرنسية، وإذا استوجب الأمر من الإنكليزية أحياناً قليلة، انطلاقاً من الاعتقاد أن المثل هو وسيلة أكثر أماناً واختصاراً للاقتراب من الاستعارات والمجازات الصينية التي تشكّل دوماً جوهرَ الأمثالِ وتتلاقى في مواضعَ كثيرةٍ مع روح الشعر. ولقد دأبنا طيلة شهور على نشر مثلٍ بعد مثلٍ على وسائط التواصل الاجتماعي، بين ترحاب القرّاء، واستفسار بعضهم الذي لا يخلو من التلميح فيما إذا كنا نتقنُ الصينية، كأن الصينية ليست لغة من اللغات وكأن تعلمّها ضربٌ من الإعجاز، لذا اقترحنا على شاعر من الصين أن يكتبَ بالعربية (أصدر ديواناً بالعربية في دمشق قبل سنوات) قراءة أصول الأمثال بلغتها الأم. اعتذر لأسباب شخصية، وما زلنا نبحث عن غيره، لسدّ ما قد يعتبره البعض ثغرة في هذا العمل، وسنجد غيره قريباً كما نأمل.
أولُ الاعتباراتِ التي يطلع بها المرءُ عند الانتهاء من ترجمة الآلاف من الأمثال الصينية المكتوبة وفق روح الشعريات الآسيوية، وعند مقاربة شعرنا بها هي أن مفهوم الشعر العربيّ لم يكن بالضرورة ملتصقاً بالمقدّس المحليّ، في حين اعتَبر الصينيون النصَّ الشعريّ قضية معياريةً، أقرب لمقدّسهم وتصوّفهم. الشعر حسب لساننا العربيّ من الفعل شَعَرَ به وشَعُرَ يَشْعُر شِعْراً بمعنى (عَلِمَ). ولَيْتَ شِعْرِي أَي ليت علمي، أَي ليتني شَعَرْتُ. وأَشْعَرَهُ الأَمْرَ وأَشْعَرَه به أي أَعلمه إِياه. وأَشْعَرْتُ بفلان اطَّلَعْتُ عليه، واسْتَشْعَرَ فلانٌ الخوف إِذا أَضمره. والشِّعْرُ منظوم القول، وإِن كان كل عِلْمٍ شِعْراً. والشِّعْرُ القَرِيضُ، والجمع أَشعارٌ، وقائلُه شاعِرٌ لأَنه يَشْعُرُ ما لا يَشْعُرُ غيره أَي يعلم. فهل كان المقصود عند العرب، في الأصل، استشعار المعاني الخفية والكونية الأقرب للمقدس؟ هناك من يُجيب بنعم.
أما الصينيون فقد اعتبروا النصَّ الشعريّ، منذ البدء، قضية معياريةً، أقرب لمقدّسهم وتصوّفهم، فهل في بنية لغتهم ما يسمح تمسُّكاً بهذا الاعتبار؟
علينا تقديم إيضاح عن مفردة (شعر) الصينية، وفق المتخصّصين. اللغة الصينية، تقول أوديل كالتينمارك، تنطوي على تعدّد قواعديّ يَمُسّ جميع المفردات، الممنوحة لذلك استقلالية وسطوة إيحائية: "عدم دقة الجمل تَجُرّ معها ضرورة [مبدأي] الإيقاع والتوازي، لذا فهي لغة تتضمّن تلقائياً الأشكالَ الشعرية. إنها لا تمتلك بالأحرى كلمة تعني (الشعر) [كما نعرفها]: التشي ذات معنى أكثر ضيقاً يُعارِض مفردة النثر = سانوين في الأدب المعاصر الذي لا يتعرّف على التصنيفات الأدبية التقليدية"، غير إن هناك قبولاً بأنّ تنطوي التشي على دلالة [أخرى]، وهو أن تكون تعبيراً عن (القصيدة). تقول المتخصصة الفرنسية إن دلالة "الإيقاع والتعبير الشعريّ يلعبان دوراً جوهرياً في مجمل الأدب الصينيّ، لذا يصعب أحياناً تصنيف نوع أدبيّ بصفته نثراً أو شعراً. لم يقع (الكلام) بالشعر قَطَّ، فقد كان يُنشد حيناً ويُغنّى حيناً وكان يوجد [بهذه الصفة] في كل مكان من الصين". وتمضي قائلة إن "الكتّاب أدركوا، في حقبة تانغ، الإمكانيات الخاصة بلغتهم، واكتشفوا بشكل خاص أن النغمات [التونات أو النبر] إنما هي جزء لا يتجزأ من المفردات. وهكذا ميَّز المُنظّرون وصنّفوا أنواعاً من التوازيات في التعابير وفي الأبيات. لتغدو اللغة الشعرية [من وقتها] في غاية التعقيد". وتخلص المتخصّصة إلى أن هذه اللغة الشعرية "من التعقيد بحيث أن العقبات ذات الطبيعة الشكلية فيها تُصعِّب جميع محاولات ترجمتها إلى لغة أوروبية. إن وفرة "التلميحات الأدبية" تتطلب من القارئ سعة اطلاع هائلة. يتوجب، بالنسبة للموضوعات التقليدية، والتنميطات المكرّرة والصور والمجازات، معرفة الفكر الصينيّ القديم لفهم رمزيتها. على مرّ القرون، عندما هجر بعض الماندران [العلماء البيروقراطيين] الحياة العامة التي جمّدتهم، فقد عبَّروا بأبيات شعرية عن دافع التصوُّف الطاويّ المُرقَّق بالمساهمة البوذية، كما عن العودة إلى حالة البراءة. عند احتفائهم بالطبيعة والصداقة والبلد الأم والإخلاص بعد الانفصال، وجدوا مشاعر من العفوية ذات القيمة الشمولية".
لهذا السبب تكوْن لمفردة تشي، الاسم المذكّر، دلالة الأغنية والقصيدة، وليس الشعر – النوع، برغم أنها صارت تعبّر عن النوع الشعريّ الصينيّ المُمارَس في فترتي التانغ والسونغ.
شعرياتُنا، والشعرياتُ الآسيويةُ
نشر في: 5 فبراير, 2016: 09:01 م