TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > شعرياتُنا، والشعرياتُ الآسيويةُ

شعرياتُنا، والشعرياتُ الآسيويةُ

نشر في: 5 فبراير, 2016: 09:01 م

(1-3)
في محاولةٍ للاقترابِ من الشعرياتِ الآسيوية، قمنا بترجمة (معجمٍ للأمثال الصينية) من الفرنسية، وإذا استوجب الأمر من الإنكليزية أحياناً قليلة، انطلاقاً من الاعتقاد أن المثل هو وسيلة أكثر أماناً واختصاراً للاقتراب من الاستعارات والمجازات الصينية التي تشكّل دوماً جوهرَ الأمثالِ وتتلاقى في مواضعَ كثيرةٍ مع روح الشعر. ولقد دأبنا طيلة شهور على نشر مثلٍ بعد مثلٍ على وسائط التواصل الاجتماعي، بين ترحاب القرّاء، واستفسار بعضهم الذي لا يخلو من التلميح فيما إذا كنا نتقنُ الصينية، كأن الصينية ليست لغة من اللغات وكأن تعلمّها ضربٌ من الإعجاز، لذا اقترحنا على شاعر من الصين أن يكتبَ بالعربية (أصدر ديواناً بالعربية في دمشق قبل سنوات) قراءة أصول الأمثال بلغتها الأم. اعتذر لأسباب شخصية، وما زلنا نبحث عن غيره، لسدّ ما قد يعتبره البعض ثغرة في هذا العمل، وسنجد غيره قريباً كما نأمل.
أولُ الاعتباراتِ التي يطلع بها المرءُ عند الانتهاء من ترجمة الآلاف من الأمثال الصينية المكتوبة وفق روح الشعريات الآسيوية، وعند مقاربة شعرنا بها هي أن مفهوم الشعر العربيّ لم يكن بالضرورة ملتصقاً بالمقدّس المحليّ، في حين اعتَبر الصينيون النصَّ الشعريّ قضية معياريةً، أقرب لمقدّسهم وتصوّفهم. الشعر حسب لساننا العربيّ من الفعل شَعَرَ به وشَعُرَ يَشْعُر شِعْراً بمعنى (عَلِمَ). ولَيْتَ شِعْرِي أَي ليت علمي، أَي ليتني شَعَرْتُ. وأَشْعَرَهُ الأَمْرَ وأَشْعَرَه به أي أَعلمه إِياه. وأَشْعَرْتُ بفلان اطَّلَعْتُ عليه، واسْتَشْعَرَ فلانٌ الخوف إِذا أَضمره. والشِّعْرُ منظوم القول، وإِن كان كل عِلْمٍ شِعْراً. والشِّعْرُ القَرِيضُ، والجمع أَشعارٌ، وقائلُه شاعِرٌ لأَنه يَشْعُرُ ما لا يَشْعُرُ غيره أَي يعلم. فهل كان المقصود عند العرب، في الأصل، استشعار المعاني الخفية والكونية الأقرب للمقدس؟ هناك من يُجيب بنعم.
أما الصينيون فقد اعتبروا النصَّ الشعريّ، منذ البدء، قضية معياريةً، أقرب لمقدّسهم وتصوّفهم، فهل في بنية لغتهم ما يسمح تمسُّكاً بهذا الاعتبار؟
علينا تقديم إيضاح عن مفردة (شعر) الصينية، وفق المتخصّصين. اللغة الصينية، تقول أوديل كالتينمارك، تنطوي على تعدّد قواعديّ يَمُسّ جميع المفردات، الممنوحة لذلك استقلالية وسطوة إيحائية: "عدم دقة الجمل تَجُرّ معها ضرورة [مبدأي] الإيقاع والتوازي، لذا فهي لغة تتضمّن تلقائياً الأشكالَ الشعرية. إنها لا تمتلك بالأحرى كلمة تعني (الشعر) [كما نعرفها]: التشي ذات معنى أكثر ضيقاً يُعارِض مفردة النثر = سانوين في الأدب المعاصر الذي لا يتعرّف على التصنيفات الأدبية التقليدية"، غير إن هناك قبولاً بأنّ تنطوي التشي على دلالة [أخرى]، وهو أن تكون تعبيراً عن (القصيدة). تقول المتخصصة الفرنسية إن دلالة "الإيقاع والتعبير الشعريّ يلعبان دوراً جوهرياً في مجمل الأدب الصينيّ، لذا يصعب أحياناً تصنيف نوع أدبيّ بصفته نثراً أو شعراً. لم يقع (الكلام) بالشعر قَطَّ، فقد كان يُنشد حيناً ويُغنّى حيناً وكان يوجد [بهذه الصفة] في كل مكان من الصين". وتمضي قائلة إن "الكتّاب أدركوا، في حقبة تانغ، الإمكانيات الخاصة بلغتهم، واكتشفوا بشكل خاص أن النغمات [التونات أو النبر] إنما هي جزء لا يتجزأ من المفردات. وهكذا ميَّز المُنظّرون وصنّفوا أنواعاً من التوازيات في التعابير وفي الأبيات. لتغدو اللغة الشعرية [من وقتها] في غاية التعقيد". وتخلص المتخصّصة إلى أن هذه اللغة الشعرية "من التعقيد بحيث أن العقبات ذات الطبيعة الشكلية فيها تُصعِّب جميع محاولات ترجمتها إلى لغة أوروبية. إن وفرة "التلميحات الأدبية" تتطلب من القارئ سعة اطلاع هائلة. يتوجب، بالنسبة للموضوعات التقليدية، والتنميطات المكرّرة والصور والمجازات، معرفة الفكر الصينيّ القديم لفهم رمزيتها. على مرّ القرون، عندما هجر بعض الماندران [العلماء البيروقراطيين] الحياة العامة التي جمّدتهم، فقد عبَّروا بأبيات شعرية عن دافع التصوُّف الطاويّ المُرقَّق بالمساهمة البوذية، كما عن العودة إلى حالة البراءة. عند احتفائهم بالطبيعة والصداقة والبلد الأم والإخلاص بعد الانفصال، وجدوا مشاعر من العفوية ذات القيمة الشمولية".
لهذا السبب تكوْن لمفردة تشي، الاسم المذكّر، دلالة الأغنية والقصيدة، وليس الشعر – النوع، برغم أنها صارت تعبّر عن النوع الشعريّ الصينيّ المُمارَس في فترتي التانغ والسونغ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram