TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > (الصورة) و(الوجود)

(الصورة) و(الوجود)

نشر في: 18 مارس, 2016: 09:01 م

(1-2)
للشعر علاقة بالفوتوغرافيا: كان الماضي دائماً مُغلَّفاً بطاقةٍ شعرية، وقد اسْتُحْضِر الماضي مراراً لاستحثاثه تلك الطاقة، أو على اعتباره كناية (كما في حالة الشاعر اليونانيّ كفافيس). أليس هذا ما تستحثّه الصورة الفوتوغرافية القديمة أيضاً: إنها أكثر قليلاً من محض توثيق بارد. ففيها حرارة الكناية وتشابُك الرمز وحيوية الصورة الشعرية القابلة للتأويل.
عندما تمسّ المرءَ تلك الرجفةُ الصغيرةُ، عندما تَحْضر فكرة غامضة هاربة، والشعور بأننا في فضاء روحي آخر، وعندما يتجلى فجأة الوعي الدفين بالأشياء، كأنه البداهة التي كانت غائبة، حينها تتماثل الفوتوغرافيا مع الشعر أيما تماثل وإنْ بأدوات مختلفة. نتحدث عن تماثل analogie، وليس تشابُهاً.
من جهة أخرى ثمة نوعان من الوصف أيضاً، وهما وصفان يشترك الشعر والفوتوغرافيا بهما. سنعود لظاهرة الوصف المشتركة مرةً. ثمة شعرية للسرد، كما يعرف الجميع. الصورة الفوتوغرافية تقوم، بطريقةٍ ما بسردٍ ما، أيضاً، للماضي وللحاضر. الفارق بين سردٍ فوتوغرافيّ وسردٍ فوتوغرافيّ آخر، هي بالضبط بين سردية شعرية متمكّنة من أدواتها وسردية باهتة غير متمكّنة، حكّاءة. لن نعاود قول مفهومات كتاب سوزان برنار (المقدّس؟) عن قصيدة النثر، إنما نحيل جواره لشعر عمر بن أبي ربيعة عربياً، ثم شعر عربي وعالمي في اتجاه شعرية السرد والحكاية.
الصورة إذنْ، الفوتوغرافية والمرسومة والمجازية والذهنية، إنما هي مجاز، ونفهمها كمجاز لاواعين غالباً، ولكن بوعي في مراتٍ كثيرة. ما المجازيّ وما الحقيقيّ؟ المجازيّ هو الذي يتشبّث بهيئة الحقيقيّ ليًضَمِّنه دلالةً أشمل، كنائية أو استعارية أو رمزية، أبعد من مظهره الخارجيّ. أليس هذا ما تقوم به الصورة؟.
بالطبع عندما نهتمّ بالصور الفوتوغرافية مثلاً، فلسنا عاشقين للحاجيات العتيقة، أو موثّقين، أو مؤرّخين إنما نفكّر أيضاً بالصورة بالمعنى أعلاه، لذا نحن لا نقتنع بأن ينصبّ الاهتمام فحسب على الصور بصفتها "أنتيكةً" أو توثيقاً أو تأريخاً، ولا نقبل بتجاوز التفكير بالصورة التي تحتوي على الشعريّ المُضْمَر، القويّ، بل العنيف عاطفياً.
لكن ثمة صلات ووصلات بين (الصورة) عامةً و(الوجود) خاصةً إذا لم نستخدم المفردة الأخيرة بطريقة ادعائية متعالية. عندما نتحدّث عن قطب متمايز اسمه الصورة، وقطب آخر اسمه الوجود، علينا منذ البدء أن نُعَرّف الاثنين تعريفاً دقيقاً، لكن أن نُعرّف أولاً الصورة  image تقنياً ومجازياً، دون أن نُخلّط أو نَخُوْض بإنشاء أدبيّ بهذا الشأن. قلة قليلة تستطيع أن تُمَاهِي (الصورة)، صورتها، مع الوجود، وجودها: أن تجعل الانسجام بين الصورة والوجود قاعدةً. في الغالب الانشقاق هو السائد. عندما يكون التفارُق بين الصورة image، صورتي مثلاً، والوجود existence، وجودي الفعليّ بجميع مشكلاته، هو الأمر المريح، تصير المُصالَحة، بل المساومة على قبول التناقُض قاعدة ملازِمة. ثمة عمل، شخصيّ واجتماعيّ، دائب من أجل "الزحزحة" بين قطب الصورة التي نصنعها لأنفسنا وقطب الوجود، وجودنا بمعضلاته ومشكلاته، وهي زحزحة يمكن للمرء استخلاصها من المراقبة الموضوعية للخارج، وللداخل، الذات. في الوسط الثقافي العربيّ، حسب ظننا، التفارُق كبيرٌ غالباً بين الصورة التي يصنعها المثقف لنفسه ووجوده الفعليّ. هذا التفارُق يتطلب قدراً عالياً من صناعة الكاريزما والوهم التي ستضبب حقيقة الموجود. لتحقيق هذا الحلّ تتنافس اليوم في حالات عدة، فوتوغرافيا المثقفين من الرجال والنساء، على خلق نوعٍ من الكاريزما من أجل حَرْفنا عن حقيقة التفارق بين صُوْرَتي المثقف. الفوتوغرافيا والإشاعة حاضران كلاهما للإيهام بموجودات مغايرة للموجود الفعليّ.
المشكلة الكبيرة، كما يتراءى لنا، في الثقافة العربية أنها تَخْلط خلطاً بين (الصورة) و(الوجود) وتُماهِي بينهما. لدينا أدلة متواترة لكتاب وشعراء وروائيين مستسلمين لحالة الانفصام بين القطبين. بينما يفضّل كثير من المتلقين المستوى المُتوهَّم المحض لتلك العلاقة الوجودية. بعبارة أخرى: الثقافة العربية تفضّل الصورة على الوجود كما يخيَّل إلينا.
(يُتبع)

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram