(1-2)
للشعر علاقة بالفوتوغرافيا: كان الماضي دائماً مُغلَّفاً بطاقةٍ شعرية، وقد اسْتُحْضِر الماضي مراراً لاستحثاثه تلك الطاقة، أو على اعتباره كناية (كما في حالة الشاعر اليونانيّ كفافيس). أليس هذا ما تستحثّه الصورة الفوتوغرافية القديمة أيضاً: إنها أكثر قليلاً من محض توثيق بارد. ففيها حرارة الكناية وتشابُك الرمز وحيوية الصورة الشعرية القابلة للتأويل.
عندما تمسّ المرءَ تلك الرجفةُ الصغيرةُ، عندما تَحْضر فكرة غامضة هاربة، والشعور بأننا في فضاء روحي آخر، وعندما يتجلى فجأة الوعي الدفين بالأشياء، كأنه البداهة التي كانت غائبة، حينها تتماثل الفوتوغرافيا مع الشعر أيما تماثل وإنْ بأدوات مختلفة. نتحدث عن تماثل analogie، وليس تشابُهاً.
من جهة أخرى ثمة نوعان من الوصف أيضاً، وهما وصفان يشترك الشعر والفوتوغرافيا بهما. سنعود لظاهرة الوصف المشتركة مرةً. ثمة شعرية للسرد، كما يعرف الجميع. الصورة الفوتوغرافية تقوم، بطريقةٍ ما بسردٍ ما، أيضاً، للماضي وللحاضر. الفارق بين سردٍ فوتوغرافيّ وسردٍ فوتوغرافيّ آخر، هي بالضبط بين سردية شعرية متمكّنة من أدواتها وسردية باهتة غير متمكّنة، حكّاءة. لن نعاود قول مفهومات كتاب سوزان برنار (المقدّس؟) عن قصيدة النثر، إنما نحيل جواره لشعر عمر بن أبي ربيعة عربياً، ثم شعر عربي وعالمي في اتجاه شعرية السرد والحكاية.
الصورة إذنْ، الفوتوغرافية والمرسومة والمجازية والذهنية، إنما هي مجاز، ونفهمها كمجاز لاواعين غالباً، ولكن بوعي في مراتٍ كثيرة. ما المجازيّ وما الحقيقيّ؟ المجازيّ هو الذي يتشبّث بهيئة الحقيقيّ ليًضَمِّنه دلالةً أشمل، كنائية أو استعارية أو رمزية، أبعد من مظهره الخارجيّ. أليس هذا ما تقوم به الصورة؟.
بالطبع عندما نهتمّ بالصور الفوتوغرافية مثلاً، فلسنا عاشقين للحاجيات العتيقة، أو موثّقين، أو مؤرّخين إنما نفكّر أيضاً بالصورة بالمعنى أعلاه، لذا نحن لا نقتنع بأن ينصبّ الاهتمام فحسب على الصور بصفتها "أنتيكةً" أو توثيقاً أو تأريخاً، ولا نقبل بتجاوز التفكير بالصورة التي تحتوي على الشعريّ المُضْمَر، القويّ، بل العنيف عاطفياً.
لكن ثمة صلات ووصلات بين (الصورة) عامةً و(الوجود) خاصةً إذا لم نستخدم المفردة الأخيرة بطريقة ادعائية متعالية. عندما نتحدّث عن قطب متمايز اسمه الصورة، وقطب آخر اسمه الوجود، علينا منذ البدء أن نُعَرّف الاثنين تعريفاً دقيقاً، لكن أن نُعرّف أولاً الصورة image تقنياً ومجازياً، دون أن نُخلّط أو نَخُوْض بإنشاء أدبيّ بهذا الشأن. قلة قليلة تستطيع أن تُمَاهِي (الصورة)، صورتها، مع الوجود، وجودها: أن تجعل الانسجام بين الصورة والوجود قاعدةً. في الغالب الانشقاق هو السائد. عندما يكون التفارُق بين الصورة image، صورتي مثلاً، والوجود existence، وجودي الفعليّ بجميع مشكلاته، هو الأمر المريح، تصير المُصالَحة، بل المساومة على قبول التناقُض قاعدة ملازِمة. ثمة عمل، شخصيّ واجتماعيّ، دائب من أجل "الزحزحة" بين قطب الصورة التي نصنعها لأنفسنا وقطب الوجود، وجودنا بمعضلاته ومشكلاته، وهي زحزحة يمكن للمرء استخلاصها من المراقبة الموضوعية للخارج، وللداخل، الذات. في الوسط الثقافي العربيّ، حسب ظننا، التفارُق كبيرٌ غالباً بين الصورة التي يصنعها المثقف لنفسه ووجوده الفعليّ. هذا التفارُق يتطلب قدراً عالياً من صناعة الكاريزما والوهم التي ستضبب حقيقة الموجود. لتحقيق هذا الحلّ تتنافس اليوم في حالات عدة، فوتوغرافيا المثقفين من الرجال والنساء، على خلق نوعٍ من الكاريزما من أجل حَرْفنا عن حقيقة التفارق بين صُوْرَتي المثقف. الفوتوغرافيا والإشاعة حاضران كلاهما للإيهام بموجودات مغايرة للموجود الفعليّ.
المشكلة الكبيرة، كما يتراءى لنا، في الثقافة العربية أنها تَخْلط خلطاً بين (الصورة) و(الوجود) وتُماهِي بينهما. لدينا أدلة متواترة لكتاب وشعراء وروائيين مستسلمين لحالة الانفصام بين القطبين. بينما يفضّل كثير من المتلقين المستوى المُتوهَّم المحض لتلك العلاقة الوجودية. بعبارة أخرى: الثقافة العربية تفضّل الصورة على الوجود كما يخيَّل إلينا.
(يُتبع)
(الصورة) و(الوجود)
نشر في: 18 مارس, 2016: 09:01 م