TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > (الصورة) و(الوجود)

(الصورة) و(الوجود)

نشر في: 25 مارس, 2016: 09:01 م

(2-2)
غالباً ما تتمايز الصورة image التي أصنعها لنفسي، عند مخاطبة الملأ، بالثقة والاكتمال، وأحياناً التعالي والرياء، بينما يتسم وجودي الفعليّ المثقل بالهفوات والمعضلات، بالتواضع والتردّد والخفوت. حينها أعرف أن تلك الصورة الأولى زائفة في الغالب. لردم الهوة عليَّ إذنْ أن أقوم بردّ فعلٍ ما، كأن أتملّق المتلقي مثلاً، ليشكّل هذا الفعل شطراً جوهرياً من الصورة التي يسعى وجودي العويص لتوطينها. أحياناً أدافع حصرياً عن الصورة التي أصنعها بدأبٍ، وحالما يزحزح أحدٌ هذه الصورة تثور ثائرتي.
أصنعها وأقوم بإضافة الرتوش إليها كما يفعل المصوّرون الفوتوغرافيون. رتوشهم على الصورة تسعى لتمويه الوجود الفعليّ للموجودات. مشكلة الرتوش مُعقدة قليلاً، لأنها يمكن أن تُوْهِم (الموجود) بأن ما رُسِم له هو الصورة الحقيقية، بينما كان الرسّام أو الفوتوغرافيّ يضع الرتوش ليضبّب الواقع بالأحرى. هنا يصير مفهوم المكياج المعروف عند النساء مثلاً، والإفراط به خاصة، مشكلة رتوش وجودية، لأنه محاولة لتقويم الجَّمَال أو تشوّهاته المتسرّبة بطيئاً، ولأنه بوصفه رتوشاً يستهدف تعميةً على الوجود، تجميله وتحسينه وجعله مقبولاً. في حالة الشخصيات التي نفّذها الرسّام البلجيكي جيمس آنسور james ensor (1860 - 1949)، فإن ألوان المكياج السميك على وجوهه المرسومة هي سبيل عدميّ يستهدف طمس التجاعيد والشيخوخة: الموت بعبارة أخرى. لعل عمل آنسور مثال واضح على صورة الوجود الخاضع للرتوش المأساوية المُفْرطة. كثافة مكياج عرائس العالم العربيّ اليوم لا تبعد كثيراً عن مشروع آنسور، خاصة في حالات تجميل القبيح أو إخفاء الجميل بطبقة لونية سميكة، وهي تجعل من الكائنات العُرْسية شبيهاً بشخصيات مسرح النو Noh اليابانيّ. ولعل هدف العرس العربيّ العميق هو تقديم "صورة رمزية" للعروس الأولى، ربما الربّة الأولى، عبر قناع لونيّ كثيف على الوجه.
تحسين الصورة، أو تشويهها. إذ بقدر ما يتعلق الأمر بـ (صورة الآخر) من جهة، و(صور السِّلَع في الإعلانات التجارية) من جهة أخرى، لأغراض عدّة، سامية أو متدنّية، يتمّ تقديم صورة ليست فعلية عن وجود (الآخرين)، هشاشتهم أو متانتهم. يمكن الارتفاع بهذه الصورة والإفراط بها، ويمكن الحطّ من شأنها، عبر ألف وسيلة ووسيلة تُجْلِي حقيقة التفارُق في هاتين الحالتين على سبيل المثال لا الحصر.
لكن ثمة صورة تَعْرف أنها لا تعبّر عن أيّ وجود منطقيّ، بل تقدّم وجوداً مُمَوْهاً، لُعُبيّاً، ملتبساً، غامضاً، طرفوياً، لعله موقف من الوجود المُعْطى في النهاية. هذه ليست صورة زائفة بالضرورة، ليست محض صورة، بل فناً والحالة هذه. الفن واعٍ غالباً. ولعلنا سنرى في صورة المحبوب وعلاقات العواطف والرغبة الجسدية هروباً وتهرّباً، إلى هذا الحد وذاك، من قطبي الصورة والوجود أو التطابق بينهما. هذه العلاقات لا تتسم بالمنطق والنفعية دائماً.
يتذكر المرء هنا، وإنْ بروحٍ مختلف، هواجس ريلكه في مجموعته (كتاب الصور). تقول كارين وينكيلفوس عن صُوَرِه في كتابها (ريلكه، تفكير العيون): "ليست الصور صوراً، إذا لم تقاوم، بدرجاتٍ، المشروع الذي يستهدف (إضاءة المعنى) حدّ جعله نافلاً. لصور ريلكه في جميع الأحوال هذا المشترك مع (منابعها الأيقونية)...". وتنقل عن مانفريد أنغل أن ريلكه في مراثي دوينو "يستخدم الصور كما لو أنها مفاهيم والمفاهيم كما لو أنها صور". في رسالة إلى شاعر شاب يتحدث ريلكه عن "صُوَر الأحلام". كان يتحدّث دائماً عن علاقة الصورة بالوجود، ولعلنا نقول عن هاجس تمثيل الوجود بالصور.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram