(2-2)
غالباً ما تتمايز الصورة image التي أصنعها لنفسي، عند مخاطبة الملأ، بالثقة والاكتمال، وأحياناً التعالي والرياء، بينما يتسم وجودي الفعليّ المثقل بالهفوات والمعضلات، بالتواضع والتردّد والخفوت. حينها أعرف أن تلك الصورة الأولى زائفة في الغالب. لردم الهوة عليَّ إذنْ أن أقوم بردّ فعلٍ ما، كأن أتملّق المتلقي مثلاً، ليشكّل هذا الفعل شطراً جوهرياً من الصورة التي يسعى وجودي العويص لتوطينها. أحياناً أدافع حصرياً عن الصورة التي أصنعها بدأبٍ، وحالما يزحزح أحدٌ هذه الصورة تثور ثائرتي.
أصنعها وأقوم بإضافة الرتوش إليها كما يفعل المصوّرون الفوتوغرافيون. رتوشهم على الصورة تسعى لتمويه الوجود الفعليّ للموجودات. مشكلة الرتوش مُعقدة قليلاً، لأنها يمكن أن تُوْهِم (الموجود) بأن ما رُسِم له هو الصورة الحقيقية، بينما كان الرسّام أو الفوتوغرافيّ يضع الرتوش ليضبّب الواقع بالأحرى. هنا يصير مفهوم المكياج المعروف عند النساء مثلاً، والإفراط به خاصة، مشكلة رتوش وجودية، لأنه محاولة لتقويم الجَّمَال أو تشوّهاته المتسرّبة بطيئاً، ولأنه بوصفه رتوشاً يستهدف تعميةً على الوجود، تجميله وتحسينه وجعله مقبولاً. في حالة الشخصيات التي نفّذها الرسّام البلجيكي جيمس آنسور james ensor (1860 - 1949)، فإن ألوان المكياج السميك على وجوهه المرسومة هي سبيل عدميّ يستهدف طمس التجاعيد والشيخوخة: الموت بعبارة أخرى. لعل عمل آنسور مثال واضح على صورة الوجود الخاضع للرتوش المأساوية المُفْرطة. كثافة مكياج عرائس العالم العربيّ اليوم لا تبعد كثيراً عن مشروع آنسور، خاصة في حالات تجميل القبيح أو إخفاء الجميل بطبقة لونية سميكة، وهي تجعل من الكائنات العُرْسية شبيهاً بشخصيات مسرح النو Noh اليابانيّ. ولعل هدف العرس العربيّ العميق هو تقديم "صورة رمزية" للعروس الأولى، ربما الربّة الأولى، عبر قناع لونيّ كثيف على الوجه.
تحسين الصورة، أو تشويهها. إذ بقدر ما يتعلق الأمر بـ (صورة الآخر) من جهة، و(صور السِّلَع في الإعلانات التجارية) من جهة أخرى، لأغراض عدّة، سامية أو متدنّية، يتمّ تقديم صورة ليست فعلية عن وجود (الآخرين)، هشاشتهم أو متانتهم. يمكن الارتفاع بهذه الصورة والإفراط بها، ويمكن الحطّ من شأنها، عبر ألف وسيلة ووسيلة تُجْلِي حقيقة التفارُق في هاتين الحالتين على سبيل المثال لا الحصر.
لكن ثمة صورة تَعْرف أنها لا تعبّر عن أيّ وجود منطقيّ، بل تقدّم وجوداً مُمَوْهاً، لُعُبيّاً، ملتبساً، غامضاً، طرفوياً، لعله موقف من الوجود المُعْطى في النهاية. هذه ليست صورة زائفة بالضرورة، ليست محض صورة، بل فناً والحالة هذه. الفن واعٍ غالباً. ولعلنا سنرى في صورة المحبوب وعلاقات العواطف والرغبة الجسدية هروباً وتهرّباً، إلى هذا الحد وذاك، من قطبي الصورة والوجود أو التطابق بينهما. هذه العلاقات لا تتسم بالمنطق والنفعية دائماً.
يتذكر المرء هنا، وإنْ بروحٍ مختلف، هواجس ريلكه في مجموعته (كتاب الصور). تقول كارين وينكيلفوس عن صُوَرِه في كتابها (ريلكه، تفكير العيون): "ليست الصور صوراً، إذا لم تقاوم، بدرجاتٍ، المشروع الذي يستهدف (إضاءة المعنى) حدّ جعله نافلاً. لصور ريلكه في جميع الأحوال هذا المشترك مع (منابعها الأيقونية)...". وتنقل عن مانفريد أنغل أن ريلكه في مراثي دوينو "يستخدم الصور كما لو أنها مفاهيم والمفاهيم كما لو أنها صور". في رسالة إلى شاعر شاب يتحدث ريلكه عن "صُوَر الأحلام". كان يتحدّث دائماً عن علاقة الصورة بالوجود، ولعلنا نقول عن هاجس تمثيل الوجود بالصور.
(الصورة) و(الوجود)
نشر في: 25 مارس, 2016: 09:01 م