(1-2)
لم يكتب ميشيل فوكو كتاباً تحت عنوان (تاريخ النذالة) لأن "تاريخ الجنون" أكثر موضوعية في عينيه، حسب رأينا، بينما مفهوم النذالة سياقيّ ثقافيّ متغيّر، أيطيقيّ وأخلاقيّ، رغم أن تاريخاً للنذالة يتطابق بشكلٍ أعمق مع نقده للعقلانية والتنوير. نقده لتبجيل العقل المفرط، الذي بدا قناعاً مريباً في رأيه، أحياناً زائفاً، يمكن أن يكون نقداً لمفهوم النذل والنذالة الطالعين من هذا العقل ومن تلك العقلانية.
اليوم، في حروب العالم العربي واستشراء فساده، وباسم العقل نفسه تُمارَس النذالة على نطاق عريض، حتى تكاد تصير أمراً اعتيادياً بأقنعة شتى، ليس أخلاقياً فحسب، إنما مؤسّساتياً وذاتياً، خاصة عند الحديث عن (المثقفين) و(الجامعيين) في البلدان العربية. يمكن حتى لمثقف يُصنّف هو نفسه بأنه مسيحيّ مارونيّ أن يبايع "الوهابية" برحابة صدر ودون شعور بخيانة الدرجات البديهية للعقلانية. هذه المجموعات – ومن تؤثر به مباشرة ومداوَرَةً – تتشبث بالطبع ببراغماتية ومنفعية ذاتية متعاليتين على الآنيّ والظرفيّ والجغرافيّ، وتحسب حساباً لمصالحها الستراتيجية، بحيث أن الثقافة ومنطقها يصيران موضوعاً للمساومة الأرخص، الثقافة أعني المواقف الثقافية العميقة لمواطنين بعيدي النظر نظرياً. نظريا فحسب سيقول فوكو الافتراضيّ.
إن كتاب (تاريخ النذالة) الافتراضيّ في الثقافة والمجتمع العربيّين، سيدلّ، في الغالب، على احتقار عميق للعقل والعقلانية، ونسبيّتها وخوارها ودورها المشبوه، حسب فوكو دائماً. لو سُمِح لنا بإيراد الأمثلة الملموسة عن (تواريخ النذالة) وامتداداتها القوية الراهنة في تاريخنا ومن واقع ثقافاتنا ومثقفينا لأنْجِز الكتابُ بمنهجية صارمة مُقْنِعة لا ريب فيها. لكن هذا من غير المسموح به في القرن العربيّ الراهن. لعلنا مُلْزَمون بانتظار قرن آخر، لكتاب البداهة هذا بعد تعريف دلالة النذالة وتخفيف حمولة استخدامها الشعبيّ.
إذا ما قرأتُ ميشيل فوكو بشكل صحيح، أرى أن أحد نقوده الأساسية تنصبّ على العقلانية الأوربية الكلاسيكية و(الحداثة) من دون أن يكون مفكّراً يمينياً أو لاعقلانياً أو مُعادياً للحداثة مثل بعض قرائه العرب. يطول شرح الأمر هنا. كتابه "تاريخ الجنون" في أحد جوانبه يودّ التأكيد أن العقلانية اتخذت طابعاً متعجرفاً مع من لا يتفق معها، وأنها كشّرت عن وجه غير متسامح في نهاية المطاف.
نقول إن هذه العقلانية التي أضاعت مسالكها، قد أضاعتها دوماً في ثقافتنا المعاصرة ليس فقط باسم نوع من جنون مرغوب به، كما يذكر فوكو، أي تمرُّد العقل الذاهب إلى تحطيم المعقول والعقلانيّ والرصين والمتفق عليه والذهاب عمداً إلى جنّات المهلوسات الاصطناعية ونشوتها (بودلير مثلاً). إنما باسم السماء والمال والسلطة التي تتضافر لخلق خلطة عجيبة.
لو قُدِّر لفوكو أن يُدْرج الثقافة العربية، التقليدية والمعاصرة، في إطار، نقده للعقلانية، لأضاء لنا الكثير، ولتجاوَرَ (تاريخ النذالة) المُقترَح عليه آنفاً، ولتوقّف أمام (تاريخ الإشاعة) المقترَح عليه الآن وهي التي بدورها تغييب للمعقول لكن ليس لصالح النشوة والتمرّد البودليريين،، إنما لصالح نمط خاص من (اللامعقول) عبر اختلاق (واقع مُتخيَّل)، حول ظاهرة أو كينونة أو شخص، واعتباره، بثقةٍ، الواقع الموضوعيّ. لديكم آلاف الأمثلة من الماضي والحاضر في الأدب والسياسة.
الإشاعة يمكن أن تكون أداة في نقد العقلانية العربية المشكوك بأدائها. لسنا بالطبع ضدّ فوكو، إنما نلوّح أمام بعض مفكرينا ومواطنينا أننا نمتلك ألف أداة ومفهومة، صريحة بسيطة كالماء، في تفكيك اللاعقلانية الضاربة بأطنابها، بآليات العقل الظاهر نفسه. وهنا لبّ الإشكالية.
إذا كان فوكو يتحدث عن بزوغ العقلانية وتغوّلها في القارة الأوربية، ثم يطرح شبهاته حولها بطريقة مُعقّدة لا مقام للتبسيط فيها، فإن العالم العربيّ يظلّ اليوم، على نطاق واسع، يختلق (العقلانية) بطريقة تلفيقية صرف في الحالات الأدبية والسياسية.
ومن أعجب العجاب، مسيو فوكو، أن هذه (العقلانية) نفسها، (تلفيقية) بين ظهرانينا.
العرب ضدّ ميشيل فوكو
نشر في: 1 إبريل, 2016: 09:01 م