كتب الروائيّ الفرنسي فيليب سوليرز مقالة صغيرة تحت عنوان "[النبيّ] محمد" عام 2006 ونشرها عام 2014 في كتابه "أدب وسياسة"، وفيها يتناول موقف دانتي في عمله الشهير "الكوميديا الإلهية" من نبيّ الإسلام محمد والإمام علي بن أبي طالب. المقطع الشعريّ المتعلق بالنبي وابن عمه أسقطه حسن عثمان في ترجمته للكوميديا، وأثبته كاظم جهاد مع تأويلات كبيرة للأبيات الأصليّة، تلطفاً منه واحتراماً لمشاعر القراء العرب، كما يبدو.
يتقدّم سوليرز، بناءً على فجاجة أبيات الكوميديا، بعبارات غاضبة من دانتي، ويتّهمه بالسادية والتعصّب –وهما مفردتان قويّتان-، ويدعو لإدانته وتنقيح كتابه، لكي يعرج إلى اتجاه لم يكن دانتي (1265 – 1321م) إلا أحد ممثليه الصريحين في الثقافة الأوروبية، منذ وقت مبكر. يجد سوليرز هذه النزعة غير العادلة، بل الحاقدة في تصوير النبيّ محمد، متواصلة ومفرطة في الثقافة الغربية، وصولاً إلى أوبرا موزارت مثلاً "اختطاف في السراي". الأوبرا تدعى (السراي) فقط بالإيطالية، أي حريم السراي، وهي تستند إلى كُتيب بالألمانية للمثل والكاتب المسرحيّ غوتليب ستيفاني الذي استلهمه (البعض يقول سرقه) من مسرحية كريستوف فريدريك برتزنير (1748- 1807). تروي الأوبرا محاولة النبيل بلمونت اختطاف خطيبته كونستانز السجينة في قصر الباشا التركيّ سليم، في القرن الثامن عشر. ويذكر سوليرز أنه يستطيع الإكثار من أمثلة المواضيع التي تعالجها هذه المسرحية.
لا يمكن بالطبع اختصار "الكوميديا الإلهية" بهذه المقاطع. لكننا نرى أن أسلوبها لا يتفارق كثيراً، في هذه المقطع عينه (على سبيل المثال)، بصفتها عملاً شعرياً، عن قصائد الهجاء المقذع العربية التي كتبتْ في عصر دانتي، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وفي جميع العصور قبل ذلك. هذا التطابق لا يبدو محتملاً للوهلة الأولى، نظراً للهالة المحيطة باسم دانتي. لكنَّ تدقيقا في المقطع ومقاربته بشعر الفرزدق أو جرير سيعزّز المقاربة. فما الفارق الجوهري بين مقطع دانتي وقول الفرزدق في هجاء جرير:
يا ابن الحِمَارَةِ للحِمَارِ، وَإنّمَـا - تَلِدُ الحِمَارَةُ وَالحِمَـارُ حِمَـارَا
وَلَوْ أنّ ألأمَ مَنْ مَشَى يُكْسَى غداً - ثَوْباً لرُحْتَ وَقَـدْ كُسِيـتَ إزَارَا
كَلَمَتْ مُرُوءتُكَ الّتي تُعْنى بهَـا، - لَوْ جَادَ سَرْجُكَ وَاسْتَجَدّ عِـذارَا
وقال أيضا في هجاء جرير:
مثل الكلاب تبول فوق أنوفها - وتمسحت أطرافها في الأسحار
أو قول الأخطل لجرير (وينسب لغيره ويضاف البيت الثاني):
قوم إذا استنبح الزوّار كلبهم - قالوا لأمهم بولي على النار
فأمسكت فرجها ضنا ببولتها - ولا تبول لهم إلا بمقدار
ولن نستجلب "شعراً" تحدث عن الفضلات صُراحاً، وشعر أبي حكيمة في رثاء عضوه الجنسيّ وغير ذلك.
نص دانتي يستدعي الفضلات مثل بعض شعراء العرب، لا نورده نحن تعفّفاً كذلك. في الإيطالية الأصلية مفردته هي ( (merdaعينها، وقد بقيت كما هي في الترجمة الفرنسية، بينما عدّلها، المترجم العربيّ إلى (فضلات، وهذه تعادل مثلا escrementoبالإيطالية والفرنسية)، ولم يستخدم دانتي هذه المفردة المؤدَّبة مع وجودها في لغته الإيطالية الأم، من اللاتينية excrementum.
هذه الملاحظة ثقيلة الظل، تودّ استرعاء الانتباه إلى أن مقطع دانتي هذا ليس، حسبما نرى، من الشعر العالي، مثلما ليس منه شعر الإقذاع العربي الوفير.
فيليب سوليرز ضدّ موقف دانتي
نشر في: 6 مايو, 2016: 09:01 م