TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > فيليب سوليرز ضدّ موقف دانتي

فيليب سوليرز ضدّ موقف دانتي

نشر في: 6 مايو, 2016: 09:01 م

كتب الروائيّ الفرنسي فيليب سوليرز مقالة صغيرة تحت عنوان "[النبيّ] محمد" عام 2006 ونشرها عام 2014 في كتابه "أدب وسياسة"، وفيها يتناول موقف دانتي في عمله الشهير "الكوميديا الإلهية" من نبيّ الإسلام محمد والإمام علي بن أبي طالب. المقطع الشعريّ المتعلق بالنبي وابن عمه أسقطه حسن عثمان في ترجمته للكوميديا، وأثبته كاظم جهاد مع تأويلات كبيرة للأبيات الأصليّة، تلطفاً منه واحتراماً لمشاعر القراء العرب، كما يبدو.
يتقدّم سوليرز، بناءً على فجاجة أبيات الكوميديا، بعبارات غاضبة من دانتي، ويتّهمه بالسادية والتعصّب –وهما مفردتان قويّتان-، ويدعو لإدانته وتنقيح كتابه، لكي يعرج إلى اتجاه لم يكن دانتي (1265 – 1321م) إلا أحد ممثليه الصريحين في الثقافة الأوروبية، منذ وقت مبكر. يجد سوليرز هذه النزعة غير العادلة، بل الحاقدة في تصوير النبيّ محمد، متواصلة ومفرطة في الثقافة الغربية، وصولاً إلى أوبرا موزارت مثلاً "اختطاف في السراي". الأوبرا تدعى (السراي) فقط بالإيطالية، أي حريم السراي، وهي تستند إلى كُتيب بالألمانية للمثل والكاتب المسرحيّ غوتليب ستيفاني الذي استلهمه (البعض يقول سرقه) من مسرحية كريستوف فريدريك برتزنير (1748- 1807). تروي الأوبرا محاولة النبيل بلمونت اختطاف خطيبته كونستانز السجينة في قصر الباشا التركيّ سليم، في القرن الثامن عشر. ويذكر سوليرز أنه يستطيع الإكثار من أمثلة المواضيع التي تعالجها هذه المسرحية.
لا يمكن بالطبع اختصار "الكوميديا الإلهية" بهذه المقاطع. لكننا نرى أن أسلوبها لا يتفارق كثيراً، في هذه المقطع عينه (على سبيل المثال)، بصفتها عملاً شعرياً، عن قصائد الهجاء المقذع العربية التي كتبتْ في عصر دانتي، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وفي جميع العصور قبل ذلك. هذا التطابق لا يبدو محتملاً للوهلة الأولى، نظراً للهالة المحيطة باسم دانتي. لكنَّ تدقيقا في المقطع ومقاربته بشعر الفرزدق أو جرير سيعزّز المقاربة. فما الفارق الجوهري بين مقطع دانتي وقول الفرزدق في هجاء جرير:
يا ابن الحِمَارَةِ للحِمَارِ، وَإنّمَـا - تَلِدُ الحِمَارَةُ وَالحِمَـارُ حِمَـارَا
وَلَوْ أنّ ألأمَ مَنْ مَشَى يُكْسَى غداً - ثَوْباً لرُحْتَ وَقَـدْ كُسِيـتَ إزَارَا
كَلَمَتْ مُرُوءتُكَ الّتي تُعْنى بهَـا، - لَوْ جَادَ سَرْجُكَ وَاسْتَجَدّ عِـذارَا
وقال أيضا في هجاء جرير:
مثل الكلاب تبول فوق أنوفها - وتمسحت أطرافها في الأسحار
 أو قول الأخطل لجرير (وينسب لغيره ويضاف البيت الثاني):
قوم إذا استنبح الزوّار كلبهم - قالوا لأمهم بولي على النار
 فأمسكت فرجها ضنا ببولتها - ولا تبول لهم إلا بمقدار
ولن نستجلب "شعراً" تحدث عن الفضلات صُراحاً، وشعر أبي حكيمة في رثاء عضوه الجنسيّ وغير ذلك.
نص دانتي  يستدعي الفضلات مثل بعض شعراء العرب، لا نورده نحن تعفّفاً كذلك. في الإيطالية الأصلية مفردته هي ( (merdaعينها، وقد بقيت كما هي في الترجمة الفرنسية، بينما عدّلها، المترجم العربيّ إلى (فضلات، وهذه تعادل مثلا  escrementoبالإيطالية والفرنسية)، ولم يستخدم دانتي هذه المفردة المؤدَّبة مع وجودها في لغته الإيطالية الأم، من اللاتينية  excrementum.
هذه الملاحظة ثقيلة الظل، تودّ استرعاء الانتباه إلى أن مقطع دانتي هذا ليس، حسبما نرى، من الشعر العالي، مثلما ليس منه شعر الإقذاع العربي الوفير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram