(1-3)
نجدُ في أمثال الشعوب، دون إفراط ولا مبالغة، طاقة شعرية عالية، وحكمة مُقَالَة بطريقة مجازية أو استعارة رفيعة أين منها بعض ما يُقال لنا اليوم إنه من الشِّعْرِ. أثناء مراجعتي لـ "معجم الأمثال الصينية: محاولة عربية للاقتراب من الشعريات الصينية" الذي نودّ دفعه للمطبعة قريباً، خطرت اليونان القديمة ببالنا، وقلنا لنفسنا: هل أن شعباً أُشِيعتْ عنه معرفته بالفلسفة والمنهجيات والمنطق الصارم، كان بمنأى عن شعرية الأمثال هذه؟ الجواب غالباً أنه كان في صلبها هو الآخر، وهو ما يُشكّل مُفارَقة ظاهرية لا قيمة لها. ثم التشابُه، في فضاءات محدّدة، مع أمثال الشعوب الأخرى (جميع الأمثال المترجَمة هنا من أجل سعادة الشعر والمعرفة كليهما، وهي من ترجمتنا عن الفرنسية، عن ترجمة مباشرة من اليونانية قامت بها هيلين كَميكتسي).
ما قد يكون مثيراً في الأمثال اليونانية، أكثر من غيرها من الأمثال، أنها موصولة بالميثيولوجيا والحكايات والملاحم وأبطال وجغرافيا اليونان القديمة، كالأمثال العربية. خذ هذا المثل "[أنتَ] ترمي سهامَك نحو النجوم" الذي يُقال عند القيام بفعل دون جدوى وهو يعيد بطريقة خفيّة، حتى دون ذكر واقعة أو اسم، ذلك الأثر الملحميّ الأغريقيّ.
ومثله لكن عبر استعارة أخرى: "أنت تكتب على الماء" الذي يُقال لمن يبذل جهداً كبيراً لا طائل منه. ومثله "رجعتْ حمولة الملح إلى المكان الذي جاءت منه"، ومن الواضح أنه مرتبط بالأعمال التجارية اليونانية البحرية، إذ عندما كان التجار يملأون القوارب بالملح، يرقد بعض الملاحين. وعندما يرتفع منسوب البحر يذيب الملح فيغرق القارب بمن فيه.
أمثال أخرى مرتبطة مباشرة بأسماء وبأبطال اليونان القديمة، خذْ هذا المثل "المنتصر يبكي، المهزوم تائه" المستلّ من كلام قديم لعرّافة أرتيريا خلال نبوءتها لفيليب، ذلك أن سكان مدينتي أثينا وطيبة اليونانيتين كانوا قد هُزموا في حين أن المنتصر اغْتيل من طرف رفيقه بوسانياس. وكهذا المثل: "يجعل من الذبابة فيلاً" لمن يُضخّم بالكلام الأشياء قليلة الشأن، وهو مستلهم من إشارة لوقيانوس Loukianos: "لا تمنح الانطباع بجعل الذبابة فيلاً". والمقصود بهذا الرجل إنما هو لوسيان السموساطي Lucien de Samosate المُسمّى في المراجع العربية بـ (لوقيان السميساطي) أو لوقيانوس فقط المولود على ضفاف نهر الفرات شمال سوريا عام 125م تقريباً والمتوفى عام 175م تقريباً وكان أديباً بليغاً وحكيماً.
ومنها قولهم "يلزمه الكرفس" ويُقال للمريض الذي لا يرجى شفاؤه. فالعادة عند اليونانيين القدامى تتويج القبور بالكرفس. يشار للكرفس في أوديسة هوميروس كنبات بريّ. وكان مُكرّساً لأرباب العالم السفليّ، وكان يمثّل عند الإغريق ثم الرومان المصيبة والدموع. واستُخدم عشبةً طبيّةً ونوعاً من البهارات.
ومنها قولهم "دموع الميغاريين"، لمن يرغم نفسه على البكاء. ويُذكَر أن الميغاريين زرعوا الكثير من الثوم لكي تدمع أعينهم. يقال اليوم إذنْ للدموع الزائفة والكاذبة، بعد أن نُسي أصله كما نحسب. ذلك أن اسم ميغارا وهي مدينة قديمة ما زالت قائمة، يعني البيوت الكبيرة، وكان يحكمها حسب المرويات الملوك الأسطوريون الأربعة، أولاد الملك بانديون الثاني وكان ملكها يدعى نيسوس. لم يكن المؤلفون الإغريق يشعرون بالتعاطف مع هذه المدينة بسبب حروبها وتحالفاتها. نعرف عبر حكايات كثيرة أن سكانها ضحّوا بالمشاعر لصالح العقل. والمثل يُعبّر في الحقيقة عن النظرة لدموعهم على أنها نوع من القوة وليس تعبيراً عن النحيب المتألم، انطلاقاً من حرافة الثوم والبصل المنسوبة لمزارعهم. هذا المثل لا يشابه إلا قليلاً المثل الأوروبيّ الشهير "دموع التماسيح"، ولعله يقترب، من مكان خفيّ، من المثل العربيّ القديم "أبْرَدَ اللهُ دمعته"، لأن دمعة السرور باردة، خلافاً لدمعة الأحزان.
أمثال اليونان: سعادة الشِّعْر والمعرفة كليهما
نشر في: 13 مايو, 2016: 09:01 م