(2-3)
قلنا الأسبوع الماضي إن الأمثال اليونانية قد تكون، أكثر من غيرها من الأمثال، موصولة بالميثيولوجيا والحكايات والملاحم وأبطال وجغرافيا اليونان القديمة، كالأمثال العربية تقريباً. وهنا نواصل البرهان. لنأخذ المثل القائل "أنت لم تسمع حتى ما حدثناك به عن تعاليم فيثاغورس"، يقال لغير القادرين على أيّ نوع من التعلُّم كأن فيثاغورس بداهة معرفية في الوعي الأغريقيّ. والمثل "حبّ المال دمّر إسبارطة، لا غيره" ويقال لمن يسعى للحصول على المال بأي ثمن، ففي الملاحم القديمة أن ربّ الإسبارطيين قد تخلّى عنهم حالما فضّلوا الفضة والذهب.
ومن عادة اليونانيين القدامى أنهم يمتدحون عند التمامهم على الطاولة المتوفّى حتى لو كان بلا قيمة تُذكر، ومن هنا مثلهم "لن يُقدَّم لكَ المديحُ، على الطاولة، بعد دفنك" ويقال لأشخاص دون أدنى قيمة.
ومثلهم الذي لن يبدو مفهوماً إلا للعارفين بالميثيولوجيا الأغريقية: "يا سكّان إيجه لا أنتم في المقام الثالث ولا في الرابع" ويقال عن الأنذال ومن دون كرامة. ذلك أن الإيجيين عند انتصارهم على الأيتوليين سألوا سيدة من أقوى الشخصيات اليونانية وهي بيثي أو باثونيس، فقالت العبارة. وهذه السيدة هي عرّافة معبد أبولو في دلفي. بعضهم يؤكد أن الجملة قيلت بحق الميغاريين.
ومن أمثالهم المتصلة بتاريخ إسبارطة قولهم بانتشاءٍ "نحن الماضي"، ففي المدينة كان يوجد ثلاثة أنواع من الرقص. الأول خاص بكبار السنّ الذين أطلقوا هذا المثل، الثاني للشباب والناضجين الذين كانوا يصرّحون "نحن الحاضر"، والثالث للصبيان والصبيات الذين كانوا يرددون أثناء رقصهم "سنتقدّم نحو الأفضل".
ومن أمثالهم "لا سباحة ولا كتابة" يقال للجهلة، ذلك أن هاتين المادتين كانتا تُدرّسان في أثينا القديمة منذ الطفولة. ومثلهم "حّركْ كل حجر" ذلك أن ماردونيوس (وهو غالباً القائد الأخميني الفارسيّ الذي قاد عدة حملات على بلاد اليونان) عندما تخلى عن بحثه في الحقل عن الكنز، اشترى الأثينيّ بوليقراط (أو فلقراط بالعربية وهذا هو غالبا طاغية ساموس، نحو 535 ق.م – 515 ق.م) الحقل وبحث لوقت طويل عن الكنز دون جدوى، لذا أرسل مبعوثاً إلى دلفي طلباً لعون عرّافيها، وهكذا جاءته العرافة تحت هذه الصيغة "حّركْ كل حجر".
ومن أمثالهم القديمة (شيخوخة هسيود)، والأخير هو شاعر شهير، كتب أشعاراً قليلة عن عصر الأرستقراطية الأغريقية، ولا نمتلك إلا الضئيل من المعلومات بشأن نسبه وطبيعة شخصيته. ولفهم المثل يتوجّب العودة إلى عمل أرسطو "دستور أورخومين" حيث يذكر أن هسيود دُفن مرتين، وشُرّف بهذه الشاهدة: "وداعاً هسيود يا من كنت شاباً لمرتين ودُفنت مرتين اثنتين، أنت الذي عرف حدود الحكمة البشرية". ويذكر أيضاً أن السكان، بعد نبوءة في أورخومين، استقبلوا رماد الشاعر ووضعوه في الأغورا بجوار قبر مينياس بطل المدينة وكأنهم جعلوا من هيسود مؤسِّساً.
ومن أمثالهم "من زمن ناناكوس" ويقال للأشياء الضاربة في القِدَم التي تجاوزها الزمن. وناناكوس ملك أسطوري عجوز للفريجيين والبيزينيوتيين وقد شرّع لهم قانوناً. وللسبب الأخير يقال أيضاً " قانون معمول به منذ زمن ناناكوس"، وهو الذي تنبأ بالطوفان فأقام الصلوات في الأماكن العامة. بعبارة أخرى هذا نوح العربيّ من أصل رافديني، لذا يتطابق هذا المثل تماماً مع التعبير العربيّ "من زمن نوح"، إذا لم تكن المفردتان اليونانية والعربية (ناناكوس ونوح) تحويراً ونطقاً خاصاً لاسم رافدينيّ.