اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > سينما > الرتابة اليومية والخيانة العابرة والغفران البشري

الرتابة اليومية والخيانة العابرة والغفران البشري

نشر في: 31 أكتوبر, 2012: 11:00 م

احتفت مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة السادسة لمهرجان أبو ظبي السينمائي لهذا العام بخمسة عشر فيلماً روائياً متميزاً من مختلف بلدان العالم، وقد تفردت بريطانيا بمشاركتها بفيلمين مهمين في هذه المسابقة وهما "جنجر وروزا" لسالي بوتر و "كل يوم" لمايكل ونتربوتوم، هذا المخرج الدؤوب وغزير الإنتاج في آنٍ معاً، فمنذ فيلمه السينمائي الأول "قُبلة الفراشة" الذي أنجزه عام 1995 وحتى فيلمه المرتقب في العام القادم "ملك سوهو" أنجز ونتربوتوم "22" فيلماً سينمائياً،   إضافة إلى أفلامه التلفازية الخمسة. لابد من الإشارة إلى أنّ بعض أفلامه مثل "مرحباً في سراييفو" و "أرض العجائب" و "محبو الحفلات" قد رُشحت لجائزة "السعفة الذهبية" في مهرجان "كان" السينمائي. ولابد من التنويه أيضاً إلى أن غزارة إنتاج ونتربوتوم مقرونة غالباً بالسويّة الفنية العالية. وحري بنا أن نشير أيضاً، قبل الولوج في ثنايا فيلم "كل يوم" إلى أن ونتربوتوم يعمل مع نفس الممثلين البريطانيين في غالبية أفلامه مثل شيرلي هندرسون، جون سيم، ستيف كوغان، رايموند وارينغ وكيران أوبراين.
يُعّد التوثيق هو الملمح الأساسي في هذا الفيلم، فعلى مدى خمس سنوات، وهي مدة الحُكم التي صدرت بحق إيّان لمتاجرته بالمخدرات، صوّر ونتربوتوم يوميات عائلة إيّان "جون سيم" وزوجته كارين "شيرلي هندرسون" وأطفاله الأربعة "شون، كاترينا، ستيفاني وروبرت كيرك" الذين يقطنون في نورفوك بأسكتلندة. لعل أجمل ما في الفيلم هو دقة رصده للحياة اليومية الاجتماعية لهذه العائلة التي وجدت نفسها بعيدة عن حنان الأب ومشاعره التي يغدقها عليهم كل يوم. يا ترى، هل تستطيع الأم كارين أن تعوّض هذا الفراغ الموحش الذي سوف يتركه الأب إيّان خلال السنوات الخمس التي يقضيها في سجن بعيد عن الأهل بحيث يسبب لهم مزيداً من المتاعب التي تضاف إلى غيابه الموحش. بدأ ونتربتوم بتصوير أحداث الفيلم منذ عام 2007 وانتهى منه عام 2012 بحيث كبر الأطفال فعلاً أمام الكاميرا، وكنا نراهم يعيشون حياتهم الطبيعية الهادئة في جوٍ أسري لا ينقصه إلاّ وجود الأب المسجون. ثمة حياة داخلية تعيشها الأسرة حيث يأكلون، ويشربون، ويحتفلون بأعياد الميلاد، ويردون على مكالمات والدهم الهاتفية التي يستفسر فيها منهم عن كل صغيرة وكبيرة، وثمة حياة خارجية سواء في أمكنة عمل كارين التي تزاول أكثر من مهنة كبائعة أشياء بالمفرد مرة، ونادلة في بار مرة أخرى كي تؤمن هاجس الطعام والشراب والعيش لها ولأطفالها الأربعة. أما الزيارات الدورية المنتظمة لزوجها فتنفتح الكاميرا على مشاهد خارجية غاية في الروعة والجمال، بل أن الطبيعة المفتوحة تغدو المكان النقيض للسجن المغلق. إنّ المهيمنة الرئيسية في هذا الفيلم هي الروتين القاتل الذي يعيشه الطرفان، سواء الأب في سجنه المغلق الرتيب أم الأم وأطفالها الأربعة في البيت المنفتح على صديق واحد للعائلة وهو "أدي" الذي لم يكن عشيقاً حقيقياً لكارين بالمعنى المتعارف عليه، وإنما كان يأكل على مائدة طعامهم، ويتجاذب مع كارين أطراف الحديث وهو يقلّها من مكان إلى آخر في بعض الأحايين. ربما يكون فيلم "كل يوم" من الأفلام التي تركز على السجون البريطانية، وعلى حياة السجناء الداخلية الرتيبة، كما أنه يكشف نظام السجن البريطاني نفسه إدارة، وشرطة، وحرّاساً، ومتخصصين في متابعة شؤون السجناء الذين يجدون أنفسهم بين جدران السجن السميكة، وأبوابه الثقيلة الموصدة التي لا تنفتح إلاّ في أوقات محدودة تتيح للسجناء أن يلتقوا بزوجاتهم أو صديقاتهم لكي يحققوا رغباتهم الجنسية التي تعد حاجة إنسانية ملِّحة يأخذها القائمون على السجون الأوروبية عامة بعين الاعتبار، ويعتبرونها مطلباً إنسانياً مشروعاً يجب أن يتحقق للسجين الذي يقضي مدة زمنية طويلة وراء جدران السجون الصمّاء. لقد رصد المخرج ونتربوتوم هذا الروتين القاتل، والحياة اليومية الرتيبة التي لا يكاد يطرأ عليها أي تبدل سوى انصياعها لصديقها "أدي" الذي قبّلته ذات مرة من دون أن تحسب النتائج المترتبة على هذه القبلة التي أخذت بُعداً جنسياً كاد أن يجرفها إلى فعل الخيانة الزوجية. وحينما خرج زوجها إيّان من السجن وكان يمارس معها الحُب شعرت كارين بوخز الضمير فأخذت تنشج وحينما ألحّ إيّان على معرفة السبب قالت له بأن أدي قبّلها، لكنها لم تنم معه، ولم يخرج الأمر أبعد من حدود القُبلة، وأنها ما تزال تحب زوجها إيان. وعبر هذه الانعطافة يضعنا ونتربوتوم من جديد أمام سؤال الحاجة الجسدية للجنس في غياب الزوج مدة طويلة من الزمن. يبدو أن إيّان تفهّم هذه الحاجة، وأدرك الضغوط الجسدية التي كانت تعانيها كارين لذلك صفح عنها، ودفن الموضوع طي النسيان، بل أنه أسمعنا عن قصد "المَجْدلة الكبرى" التي تقول: "المجد لله في العُلى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسَّرة" ثم نشاهد العائلة برمتها وهي تركض صوب البحر المفتوح على المدى البعيد وكأنه يقود زوجته إلى المطْهر لكي تغتسل من أدران الخطأ البسيط الذي كان يمكن أن يفضي إلى خطأ جسيم لا تُحمد عقباه. ثمة مشاهد جنسية عديدة حدثت بين إيّان وكارين سواء في الإجازات الزمنية المحدودة التي كان يحصل عليها إيان خلال مدة تواجده في السجن أم بعد إخلاء سبيله، لكن هذه الممارسات كانت غير مكشوفة تماماً، فالمعروف عن ونتربوتوم هو جرأته الواضحة في هذا المضمار ويكفي أن نشير إلى فيلم "تسع أغنيات" الذي اُنتقد كثيراً بسبب المَشاهِد الجنسية المفضوحة التي قام بها الممثل البريطاني كيران أوبراين والممثلة الأميركية مارغو ستللي. الملاحَظ أن الأغاني الشعرية الجميلة التي كان يؤديها الأطفال من طلبة المدارس الابتدائية تلفت الانتباه في جمال أفكارها ومضامينها الإنسانية الرائعة التي تجذب الإنسان إلى الجمال الكامن في الطبيعة، وإلى الحنو والرقة البشرية المخبأة في دواخلنا كبشر حتى وإن أخطأنا فثمة أمل في إصلاح هذا الخطأ وتقويمه كما الحال مع إيان الذي عرفنا تورطه في قضية الاتجار بالمخدرات والعقوبة القاسية التي تحمّلها جرّاء هذا الخطأ الجسيم الذي يؤثر في المجتمع، وقد يخرب بعض جوانبه. الطبيعة في هذا الفيلم كانت حاضرة بقوة، بل أنها النقيض لفضاء السجن المغلق، والضيّق، والكاتم للأنفاس. لقد أمسك ونتربوتوم بخناق الرتابة اليومية لهذه الأسرة الأسكتلندية التي فقدت جزءاً من رائحة الأبوة المغيّبة، كما أحاطنا علماً بقسوة الروتين حينما يهيمن على أسرة ما ويفرغ حياتها من المضمون الإنساني النابض بالحياة.
جدير ذكره أن ونتربوتوم من مواليد بلاكبيرن، لانكشير بإنكلترا، درس اللغة الإنكليزية بجامعة أوكسفورد قبل أن يدخل مدرسة الفيلم بجامعة بريستول. أنجز أكثر من عشرين فيلماً سينمائياً، نذكر منها "قُبلة الفراشة"، "مرحباً في سراييفو"، "أرض العجائب"، "محبو الفلات"، "قلب جبّار"، "تسع أغنيات"و "الرحلة".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

زلزال بقوة 5 درجات يضرب جنوب غرب باكستان

وزارة التخطيط: التعداد السكاني سيشمل العراقيين والاجانب

طقس البلاد.. غبار وارتفاع في درجات الحرارة

انطلاق الانتخابات النيابية في سوريا

40 قتيلا على الأقل جراء اشتباكات في الكونغو

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

حسن حداد يكتب عن "حسين كمال.. ومصطلح الفن الكبير"

سومر السينمائي تدخل عامها الثاني

فيكتور بيلموندو يلعب دور البطولة في فيلم "هي وهو وبقية العالم":"منذ الصغر، كان هدفي هو التمثيل"

مقالات ذات صلة

حسن حداد يكتب عن
سينما

حسن حداد يكتب عن "حسين كمال.. ومصطلح الفن الكبير"

د. وليد سيفيستحق المخرج المصري حسين كمال أن تقام حول أعماله الدراسات النقدية، فهو أحد أهم المجددين في السينما المصرية، ضمن ما يمكن تسميته بالجيل الثالث من المخرجين، ذلك الجيل الذي توازى ظهوره مع...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram