(3–3)
قلتُ لمحدّثي الفنان يوسف الناصر: لا يبدو الموضوع سهلاً كما بدا في بداية حوارنا، حتى أننا اختلفنا حول مفردات بسيطة، كأن نقول (الفترة الإسلامية) أم (العصر) أم (الحقبة). قال: نختار بين الفترة والحقبة والعهد والدولة، ولو أن بعضهم - وبيني وبينك - يفضّل الاحتلال (وضحك). فتنبّهتُ وقلتُ له: العالم القديم كان كله احتلالاً، لو طُبق مفهوم الاحتلال على الجميع، لاتفقتُ مع القائلين. لا أظن أن الإسكندر المقدوني احتلّ العالم القديم بالزهور، ولم يستعمر الفرنسيون الجزائر عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال محدثي: وما مشكلة مصطلح (فنون العهد الإسلاميّ) في رأيك؟ قلت له: لا مشكلة، ولا أودّ أن أكون كمن يعترض بالمجّان، لكن ماذا نعني والحالة هذه بالعهد الإسلامي؟ قال محدّثي: الفترة الزمنية الطويلة كالعهد البرونزي والعهد العثمانيّ. قلت له: وهنا أيضاً يمكن أن نراجع لسان العرب للتثبُّت من مفردة عهد. قال يوسف الناصر: كنت سأقترح ذلك. قلتُ: إذنْ؟ قال محدثي: لاحظْ أن العهد الجديد هو الإنجيل والعهد القديم هو التوراة، والعرب يقولون العهود الخالية للزمن الماضي البعيد. قلتُ له: أما اليوم يا صديقي فأحسب أن للمفردات دلالات أخرى تقريبية، إذ تقول العهد الجمهوري والعهد الملكيّ والعهد السياسي الجديد، ولا تُقترح فترة زمنية طويلة بين عهدين. قال محدثي: نعم. أفهم جيداً ذلك. وأفهم بالمقابل، إذا غيّرتُ وجهة الموضوع الشكليّ هذا، أنه لا يوجد (شعر إسلاميّ) ولا (موسيقى إسلامية)، ونحن نتفهم جميعاً أن المقصود (بالفن الإسلاميّ) هو الرسم والحرف الفنية الأخرى المجاورة له. قلت لمحدّثي: هذا صحيح. قال محدّثي الفنان العراقيّ: وبالنتيجة، إذا كان للدين الإسلامي أثر في الفنون، لظهر إذنْ أكثر ما ظهر في الشعر الأقرب للأفكار من الفنون الأخرى، لكونه أقرب لدين المسلمين، ولأنه مكتوب باللغة العربية التي جاءت معهم من الجزيرة.
قلتُ لمحدّثي: ما تذكره يتعلق بالنقد الموجَه للرسم التشخيصيّ الذي كان، على ما يبدو، حاضراً منذ وقت مبكر، ولم تُطلق عليه أية صفة سوى أنه (تصوير) وعلى الرسّامين اسم (المصوّرين)، لا الإسلاميون ولا الجاهليون، لكن كان يُقال مثلاً (مصوّرو الروم) و(مصوّرو الهند).. الخ. وهو أمر غير ممكن في حالة (الفن الإسلاميّ) فلا بلد ولا قومية له.
وقلتُ لمحدّثي مضيفاً: ولقد كان الشعراء قد تعرّضوا للنقد في النص القرآنيّ، حسب رأيي، أكثر من المصوّرين، ألم يأتِ أنهم يقولون ما لا يفعلون وفي كل وادٍ يهيمون، بشكل عام، ثم اسْتُثنِي تالياً الذين آمنوا. أنت تعلم مثلي أن (صورة الشاعر) السائدة المرغوبة في الثقافة العربية، ظلّت تحاول حتى اليوم التطابُق مع "هائم" "قوّال" أكثر من مستتبّ صاحب أفعال.
دمدم صاحبي حتى خُيّل لي أني سمعته يقول: هذه الصورة هي أيضا (أو بالأحرى) صورة الرسّام، في عهود الإسلام وفي كل عصر غيره حتى اليوم.
قلتُ: لا نعرف في عصور الإسلام، صورة اجتماعية وثقافية أكيدة للرسّام، كما يعرف الأوروبيون، مع أني حاولت استخلاصها مرة من نصوص التراث، وكانت تتطابق بمواضع كثيرة مع صورته في الثقافات الأخرى. أليس مثيراً؟
قال محدّثي وكرّرتُ بعده: لا يبدو مصطلح (الفن الإسلاميّّ) سليماً ولا دقيقاً، ويحتاج مراجعة حذرة ومقترحات إضافية خلّاقة.
هل مصطلح (الفن الإسلاميّ) دقيق وسليم؟
نشر في: 24 يونيو, 2016: 09:01 م