(1-2)
علينا الإشارة في البدء أن أمبرتو أيكو يذكر منذ الأسطر الأولى من كتابه (إنتاج العلامات) أن اللغة المنطوقة مازالت، على ما يبدو، ضرورية لقراءة اللغة البصرية. للوهلة الأولى لا تبدو للأمر صلة وثيقة بالبلاغة التي هي مفهوم ملتبس عند الأجيال الجديدة في الثقافة العربية، بل غير مرغوب به.
تُعرِّف العربيةُ البلاغةَ بأنها المعرفة بالفصاحة لكي يُطابِق الكلامُ مقتضى الحال، وتقوم عند الأكاديميين على: علم المعاني المختص بتراكيب الكلام ليطابق المقتضى، وعلم البيان المختص بطريقة تَوصُّل التعابير إلى المعنى الواحد بطرائق مختلفة ليطابق المقتضى، وعلم البديع والمحسّنات المختص بكيفية تحسين الكلام بعد مطابقته ومراعاته للمقتضى.
في حين أن البلاغة عند الفرنسيين تقترح شرح وتعليم فن الخطاب وفن الإقناع، أي هي فن الكلام عن موضوعٍ ما بأناقة وقوة وتأثير على المخاطب، لإقناعه بفحوى الخطاب. وقد كانت حتى نهاية القرن التاسع عشر أساسية قبل سقوطها في المجاهيل. للتو قرأنا أن فرانسيس باكون (1561- 1626) كان يعرّف البلاغة كالتالي: "فن تطبيق وإقامة وصايا العقل على المخيّلة لتأخذُها بها أخْذاً، حتى تُصِيْب الإرادة والرغبات".
في الثقافة العربية ترتبط البلاغة اليوم، بعض الارتباط، بالتقعّر والمحسّنات وحدها ووعي الماضي الجماليّ، بسبب طرائق التعليم وابتعاد أساتذة البلاغة عن الحداثة والأدب الحديث.
منذ أن كتب بارت دراسته (بلاغة الصورة) عام 1963، ومن بعده كتب جاك دوران دراسته الموسّعة (بلاغة وصورة إشهارية)، أمكن الاعتقاد أن إعادة اعتبار، بل أن تحييناً لمفهوم البلاغة نفسه، قد حَدَث، بحيث صار ممكناً ربط الصورة الفوتوغرافية وغيرها، ومعالجتها بطريقة ما، بمنهجية معالجة الخطاب الأدبيّ المعاصر. ما الذي يستفاد منه من قول بارت: "ينبغي أعادة التفكير في البلاغة الكلاسيكية بمفاهيم بنيوية [...] وسيكون حينئذ من الممكن وضع بلاغة عامة أو لسانية لدوالّ التضمين، صالحة للصوت المنطوق والصورة والإيماء.."؟
قول بارت (بلاغة عامة، لسانية صالحة للصورة أيضاً) يعني بلاغة تستنطق الصورة بمصطلحات البلاغة (ريتوريك). وهو ما ذهبت به بعيداً سيميائيات الصورة المنطلقة بدورها منذ البدء من علوم اللسانيات. هذا الأمر صار بداهة، خاصة ونحن نعالج الصورة بصفتها علامة ذات دالّ ومدول، مع الإشارة إلى ان العلاقة بين الدال والمدلول فيها أقل اعتباطية وأن "تعدُّد المعاني" في الصورة فاعل أكثر مما هو فاعل في الأدب.
تعتبر الصورة هنا خطاباً، نصاً كما سيقال بإلحاح بعد بارت، يمكن تفكيكه وتفسيره، تقريباً بالأدوات المشابهة التي يُقرأ ويُفسّر بها النص الأدبيّ، وهو ما فعله دوران بوضوح أكبر من بارت مستخدماً جميع مصطلحات البلاغة الفرنسية ابتداءً من الاستعارة والكناية والتكرار والتشابُه ....الخ.
لدى بارت ثمة توسيع لمفهوم البلاغة، وانفتاح على حقول أخرى، لم تكن تعالج في نطاق مفاهيمها. ومن الواضح أن هذا التوسُّع ينطلق بالأصل من دلالة الشعرية والشعريات التي كُرِّس كرسيها لبول فاليري في الكوليج دو فرانس، ولم ينفك المفهوم من يومها يتبلور ويتحصّن ويتماسك.
في دراسة بارت (مدخل إلى التحليل البنيوي للمحكيات) المنشورة للمرة الأولى عام 1966 في مجلة (تواصل)، عدد 4 ثم المنشورة في كتاب (شعرية السرد) عام 1977 مع مجموعة من الكتاب، يعاود التذكير بأن "للخطاب وحداته وقواعده ونحوه: وفيما وراء الجملة فإن على الخطاب أن يكون، على الرغم من تركيبه من جمل فقط، موضوع لسانيات ثانية بصورة طبيعية. كان لخطاب اللسانيات هذه، وخلال حقبة طويلة اسم معروف هو (البلاغة)، ولكن وكنتيجة للعبة تاريخية، انتقلت البلاغة إلى جانب الآداب الجميلة، وانفصلت الآداب الجميلة عن دراسة اللغة، ووجب حديثا إعادة طرح المشكلة من جديد"ص17.
لماذا يستخدم رولان بارت مفهوم (البلاغة) في عالم الصورة؟
نشر في: 1 يوليو, 2016: 06:01 م