(2–2)
عندما يقول بارت "كان لخطاب اللسانيات، خلال حقبة طويلة اسم معروف هو (البلاغة)، لكن نتيجةً للعبة تاريخية، انتقلت البلاغة إلى جانب الآداب الجميلة، وانفصلت الآداب الجميلة عن دراسة اللغة، ووجب حديثا إعادة طرح المشكلة من جديد"، فإنه يعني أن البلاغة كانت موضوعاً لسانياً قبل إقرانها بشكل أساسي بالآداب الجميلة كالشعر. وهذا الأمر يدفع بارت، من جهة أخرى، لتناول بلاغة الصورة رديفاً للسانيات أو وجها آخر لخطاب اللغة.
في دراسته عن "بلاغة الصورة" يؤكد بارت أن البلاغة صارت تخرج عن حدّ الصور المجازية والزخرفية وتطريز الأساليب والتفنن في البديع، وتمتدّ إلى القضايا التي تشملها فلسفة اللغة، وتنخرط في التأملات الذهنية، لذا وصفها بأنها "تتعلق (بكلِّ لغةٍ) كما أنها (لغةُ الكل)".
انه يرى بأن السيميائيات جزء من اللسانيات طالما أن اللسان يطوي "جميع الابنية الاجتماعية". بينما قرأ نقده السيميائي الأدب نظاماً للعلامات يستند إلى أنظمة اللغة. وربط بين اللغة والخطاب "فالشيء اللغويّ لا يمكن أن يقوم عند حدود الجملة ولا ينحصر فيها" لأنه موصول بالاجتماعيّ والتاريخيّ والنفسيّ والوجوديّ.
الصورةُ نصٌّ، نقول، بالمعنى المتشابك الذي توسّع فيه بارت في العديد من أعماله خاصة "لذة النص". وهو معنى تطوّر من اهتمامه بسلطة اللغة أولاً، إلى اهتمامه بسلطة النص تالياً، عندما اتسع نطاق السيميولوجيا عنده ليمتد إلى الموضوعات السياسية والاجتماعية والدعائية والفيلمية. إذا كانت الصورة خطاباً مثل خطاب اللغة المنطوقة الذي له وحداته وقواعده ونحوه، يمكن الاستنتاج بأن لها وحداتها وقواعدها ونحوها، وإن لم يقل بارت ذلك بشكل صريح. قاله تقريباً جاك دوران. لكن بحث بارت "بلاغة الصورة" يتحدث عن أنساق محددة في الصورة، فهي مثل اللغة المنطوقة تقوم بعمليتي التعيين والتضمين، والإرساء والمداولة. الخ.
لقد تمكن جاك دوران من الإفادة من ملاحظات بارت لتطوير بحثه المذكور، مستنداً إلى تعابير البلاغة الفرنسية المخصوصة، لكن متوقفاً فحسب عند الصورة الإشهارية (نقول في العراق الإعلانية). اليوم يمكن للباحث ان يرى أن مجازات البلاغة الفرنسية مطبقة بحذافيرها في الحقل الإشهاريّ، بعضها يمكن إيجاد بدائلها في البلاغة العربية، والأخريات يصعب.
السؤال هو التالي: إلا يمكن توسيع الحقل من جديد وتطبيق مصطلحات البلاغة على عموم الصورة وليس الصورة الإشهارية وحدها؟ ثم ألا يمكن انطلاقاً من بارت وجاك دوران تطبيق مفاهيم البلاغة العربية (المتطابق مع المفاهيم الفرنسية والموجود فيها وغير المتطابق) على عالم الصورة.لكن لنلاحظ أن بارت ودوران، يعالجان هذا الخليط بين بلاغة الكلام وبلاغة الصورة أثناء اشتغالهما في عالم الإشهارات خاصة. وأحسب أن هناك إمكانية كبيرة لمعالجة الموضوع بعيداً عن الإشهارات، أي معالجة الصورة وحدها دون كلام لغويّ أو سياق إشهاري بصفتها عملاً من أعمال البلاغة وتحت مصطلحاتها. نفكر هنا بلقطات المصور الفوتوغرافي أوليفييرو توسكانيّ التي يختفي منها التعليق اللغويّ تماماً، وتحضر الماركة التجارية فقط، ضمن مفارقات بصرية مثيرة وبليغة وصادمة. الصورة في أعماله مكتفية ببلاغتها ومُتخلّية عن النصّ.نحن نتحفظ قليلاً على هذه الخلطة في دروس البحث والجامعات والطلبة المشار إليها عادةً بسرعة أنه علاقة (نص – صورة)، فإنّ ما ينجم عن هذا التزاوج ليس خلطة بسيطة، فيها من جهة نص ومن جهة أخرى صورة، بل عمل جديد كلياً يفيد بطريقة خلاقة بين بلاغتين، صانعاً بلاغة اخرى لا أعرف ماذا يمكن أن نطلق عليها لتمييزها عن (البلاغة اللغوية) و(بلاغة الصورة) كليهما على حدة.
لماذا يستخدم رولان بارت مفهوم (البلاغة) في الصورة
نشر في: 15 يوليو, 2016: 09:01 م