(2 – 2)
الفكرة هي أن الأمثال والأقوال السائرة تشكّل كتاب الاستعارة الأثير، وأنها تتصل بحقل الشعريّات العريض. ويمكن قراءة أمثال الشعوب بصفتها، كذلك، حقلاً للتثاقف (أو المثاقفة)، وإن الترجمة لهذا السبب قد تشكّل موضوعاً عملياً أساسياً للتثاقف، وإنَّ نقل الشعريات المخصوصة بثقافة إلى ثقافة أخرى، قد يشكّل تطبيقاً فكرياً ومفهومياً وفلسفياً فاعلاً للتثاقف.كان السؤال الجوهري في القسم الأول من هذه المادة: كيف تتُرجم أمثال مُنتزعة من ثقافات متباينة، ذات مذاق ومزاج خصوصيّ، كالأمثال الصينية إلى العربية، وكالأمثال الشعبية العربية إلى اللغات الأخرى؟ صحيح أن الأمر يتعلق بمسعانا لترجمة (معجم الأمثال الصينية) من لغة وسيطة، لكن صحيح أكثر من ذلك أن الدرس المستفاد من هذا المسعى ثقافيّ عام، ويطرح إشكاليات عريضة. وأولها ستراتيجات الترجمة عموماً.نقدّم هنا نبذة لما كتبه، بالإنكليزية، الباحث فينغ خويوين تحت عنوان (حول ترجمة الأمثال والتعابير الصينية ضمن منظور التثاقف):"تعتبر ترجمة التعابير الصينية من أعظم التحديات، لأنها انعكاس لميراث ثقافي صينيّ غنيّ، ومعظمها ليس من السهل فهمه بغياب خلفية ثقافية صينيّة. ولأن المسألة تثير مشكلات الترجمة الحَرْفِية والترجمة الحرّة، استجابة القراء الأصليين واستجابة قراء النص المترجَم، والاختلافات بين بنية النص الصيني عن مثيله الإنكليزيّ...الخ. يناقش الباحث ترجمة التعابير الصينية من أجل تقديم الثقافات الصينية إلى الأجانب، نحن نفضل ستراتيجية الـ (تغريب foreignization) القائمة على مفهوم (التكافؤ الوظيفيّ) في سياق منظور التثاقف. ثمة ستراتيجيتان لترجمة التعابير الصينية: التدجين domestication والتغريب.يشدّد التدجين على لغة الغرض القياسية (المنقول إليها) وهو يحاول تحديد التعابير المماثلة بالانتظام الأقرب إلى اللغة الأصلية في لغة الغرض. أما التغريب فهو يشدّد على الترجمة الحَرْفِية محافظاً على الشكل الأصليّ وعلى العناصر الثقافية، وهو يغذي قرّاء الترجمة بنداءات عاطفية مختلفة. يُخْتلف بشأن المنهجين. يتمسك تشيان تشونغ بالمنهج القديم، أما لو شون فيتمسك بالمنهج الأخير [التغريب]. نظريا يسمح هذا المنهج يالمحافظة على الشكل والعناصر الثقافية للنص الأصليّ، وهو أمر صعب التحقق، ذلك أن ترجمة الدرجة الأولى هي المحافظة على التكافؤ الوظيفيّ – ليس فقط المحتوى المتكافئ للرسالة، ولكن التكافؤ في الشكل قدر الإمكان. مع ذلك فإن التعابير idiomes الصينية التي تتأصل في الثقافة الصينية هي مشكلة صعبة الحل في [عملية] التغريب. في الواقع، نستخرج الكثير من التعابير الإنكليزية المشابهة للصينية ونحن نقترض أن التدجين مقبول تماماً، وان استجابة قراء الترجمة هي تقريبا استجابة القراء الأصليين". انتهى التلخيص. ثم يقدم أمثلة من تدجين اللغة الإنكليزية للأمثال الصينية، اي نقلها بأمثال إنكليزية معروفة لقراء شكسبير.المشكلة مثارة باللغة العربية، بالضبط، بالطريقة نفسها المثارة بالإنكليزية. ففي العربية تُرجمتْ، عبر أسلوب التدجين، أمثال الصين بأمثال عربية خالصة، فتُرجم المثل الصينيّ الذي يعني (في عيون العشّاق، ثمة خيشي وحدها) - وخيشي واحدة من أربع جميلات في تاريخ الصين - بالتعبير العربيّ "القرد في عين أمه غزال"، وتُرْجم مثل الصينيين "طرق متعدّدة تقود إلى الوجهة نفسها" بالتعبير العربيّ المُترجَم هو بدوره (كل الطرق تؤدى إلى روما)، وتُرجم المثل الصيني (الفوز على الآخر باللعبة الخاصة به هو نفسه) إلى (ردّ كيده إلى نحره)، وهو نفسه الذي ترجمه الفرنسيّ إلى تعبير فرنسي شائع مأخوذ من لافونتين (بما يعني تقريباً: يُؤخذ من كان يَعتقد آخِذاً).
نفضّل الحلّ التغريبيّ رغم القضايا العالقة والمشكلات المحيطة به، إذ نحن نعتقد أن الترجمة، من بعض الوجوه، هي عمل تغريبيّ، بالغين المنقّطة، في جوهر الأمر، وليس تعريبياً، بعين دون نقطة، خاصةَ ونحن نتحدث عن اللغة العربية.
هنا درس معرفيّ عام.
الأمثال هي كتاب الاستعارة الكبير
نشر في: 5 أغسطس, 2016: 09:01 م