قال فرويد: نظر أسلافك للإبداع الشعريّ النسوي بريبة، إذ لا مقام، منطقياً، في (الفحولة الشعرية) للأنثى.
قلت لفرويد: منطقياً، صحيح. عملياً، أقلّ صحة كلما صعدنا إلى العصور المبكّرة، أكثر صحة كلما هبطنا نحو العصور المتأخرة.
قال فرويد: يحتاج تفسير القضية، لو كان صحيحاً زعمكَ، إلى سجال طويل. عبر قراءتي المتواضعة للشعر في عصر كالجاهليّ، أستطيع إطلاق صفة (شاعرة فحلة) مقابل (شاعر فحْل)، وأتخيُّل أن المجتمع الأدبيّ سيقبل بالتسمية، بشكل ما، على ارتياح أو مضض.
قلتُ لفرويد: بعد الجاهليّ بوقت قصير نسبياُ، ذهبتْ مَثَلاً بين العرب كلمة الفرزدق "إذا صاحت الدجاجةُ صياح الديك فاذبحوها" التي قالها في امرأةٍ قالت شعراً (مجمع الأمثال). الفرزدق (641م - 732م) النشيط بين القرنين السابع والثامن الميلاديين في العصر الأمويّ، من أرومة العرب، فهو دارميّ تميميّ. والمُقارَبة التي يقيمها بين عالم الطيور وعالم البشر، على الصعيد "الجندريّ" الصارم والتعالق الأيروتيكي، كانت متجذرة في الجزيرة العربية.
قال فرويد: لا أرى المسألة كما تراها. أرها موصولة بمفهوم الفحل والفحولة المجازيّ، ومنع المرأة أن تكون فحلة على الصعيد الإبداعيّ.
قلت لفرويد: لنقرأ الفعل فَحَلَ في اللسان. الفحْل معروف هو الذكر من كل حيوان، وجمعه أفحل وفحول وفحولة وفحال وفحالة، مثل الجمالة. ورجل فحيل أي فحل، وإنه لبين الفحولة والفحالة والفحلة. وفحل إبله فحلاً كريماً أي اختار لها، وافتحل لدوابه فحلاً كذلك. وأفحله فحلاً أعاره إياه يضرب [يُزاوج] في إبله. والاستفحال شيء يفعله أعلاج كابل، إذا رأوا رجلاً جسيماً من العرب خلوا بينه وبين نسائهم رجاءَ أن يولد فيهم مثله، وهو من ذلك. وفي الحديث (لم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل)، قال ابن الأثير (هكذا جاء في روايةٍ، يريد فحل الإبل إذا علا ناقة دونه أو فوقه في الكرم والنجابة فإنهم يضربونه على ذلك ويمنعونه منه). وفي حديث عمر لما قدم الشام تَفحَّل له أمراء الشام أي أنهم تلقوه متبذّلين غير متزيّنين، مأخوذ من الفحل ضد الأنثى لأن التزيُّن والتصنُّع في الزيّ من شأن الإناث والمتأنثين، والفحول لا يتزينون.
قال فرويد: الفحل والفحولة هنا قضية بيولوجية و"جندرية" طبيعية لا خلاف عليها. الخلاف يبرز حالما نتحدث عن الإبداع الشعري ودلالة الفحولة فيه.
قلت لفرويد: حول الشعر، يمضي لسان العرب إلى القول إن فحول الشعراء هم الذين غلبوا بالهجاء من هاجاهم مثل جرير والفرزدق وأشباههما وكذلك كل من عارض شاعراً فغلب عليه، مثل علقمة بن عبدة وكان يسمى فحلاً، لأنه عارض امرأ القيس في قصيدته التي يقول في أولها (خليلي مرا بي على أم جندب)، بقوله في قصيدته (ذهبت من الهجران في غير مذهب). وكل واحد منهما يعارض صاحبه في نعت فرسه ففضل علقمة عليه ولقب الفحل، وقيل سمي علقمة الشاعر الفحل لأنه تزوج بأم جندب حين طلقها امرؤ القيس لما غلبته عليه في الشعر. والفحول الرواة الواحد فحل. وتَفحَّل أي تشبّه بالفحل. واستفحل الأمر [فعل مُستَخدَم اليوم] أي تفاقم. وامرأة فحلة أي سليطة.
قال فرويد: ها أنت، يا بُنيًّ، ترى أن اللسان يَصِفُ المرأةَ بالفحلة عندما تكون فقط سليطة اللسان، بينما سلاطة لسان "فحول الشعراء" الذكور الذين غَلَبوا بالهجاء من هاجاهم، تُعتبر جزءاً من شعريتهم العالية.
قلتُ لفرويد: وعليه سيدي فإن مَثَلَ الفرزذق يشدِّد على نقد السلاطة لدى الشاعرات النساء، ويعزو الفحلة من الشاعرات، ضمناً، إلى السلاطة والبذاءة وحدهما،
لسان العرب حسب سيغموند فرويد: الفحولة الشعرية
نشر في: 2 سبتمبر, 2016: 09:01 م