(6)
الشاعر بصفته ضميراً مستتراً: الشاعرُ ضميرٌ لحقبةٍ، وعصرٍ، وجيلٍ. وهو صوت لكائنات بشرية من مختلف المشارب والأعمار والمواطن. كيف يصير اليوم إذَنْ ضميراً مستتراً بالمعنى النحويّ: الضمير الذي لا يظهر، المخفيّ، وجوباً وجوازاً. كيف يختفي؟ نستخدم مفردة ضمير بمعنى ليس نحوياً كما لا يخفى: الشاعر ليس ضميراً مستتراً، لا وجوباً ولا جوازاً.
نتقدّم للقراء بالشذرة، جميعاً، لأننا نعرف مشكلة القراءة اليوم. بعض القراء لا يُكِّلف نفسه حتى عناء قراءة الملاحظات القصيرة جوارها، إذا وُجدتْ. هناك مشكلة حقيقية.
في السنوات الأخيرة شهدنا بعض "السخرية" من (مفهوم الحداثة). الساخرون رفضوا أمرين اثنين أو ثلاثة: الأساس الحدسيّ (أو ما شابهه) والإساس العقلانيّ (أو ما شابهه) والأساس الجوهريّ القائم على رفض "مفاهيم الماضي" وهذا لا شبيه له. ناهيك عن تجاهُل السياق الذي خرج فيه المفهوم. وفي الحقيقة لم يُبرهن الساخرون على منجزات باهرة تضع نقائض تلك الاعتبارات الثلاثة في مقدّمة كتاباتهم، في الشعر والنثر والفن التشكيليّ. في الوعي الميتافيزيقيّ، لا حداثة، بالطبع.مشكلتي الكبيرة اليوم، شعرياً، كيفية تَخطّي مجموعتي (الأدنى والأقصى): مجموعة الكائن الناضج أو الذي يكاد. ها أنتَ، تعرف، أيها الشاعرُ [ة]، أن كلمةً تخرج من القلب تَصِلُ إلى القلوب، في جهات العالم كلها.
الشعرُ والفنُّ التشكيليّ، كانا بالنسبة إليّ، لسبب ما، قَدَرَاً.
أرغب أن أكتب مجموعة شعرية، يقدِّمها الكبار لأطفالهم هديةً، بمناسبةٍ ما.تهتزّ مشاعري هزاً ويكاد يُغمى عليها، عندما أكتشف شاعراً أو كاتباً أو رسّاماً أو ما إليه، خلاف صورته المطروحة للعموم، صورة زائفة.اليوم، لا مكان مرئيّ للشاعر الحصيف ولا الشاعر غير الحصيف في الثقافة العربية، كلاهما مرفوضان. المشكلة في معايير هذه الثقافة العربية الراهنة. "أمة وسط" لكن ليس بالمعنى اليونانيّ لهذا التعبير، إنما بمعنى متوسط القيمة، المقبول.أنت تُدرك بلمحة عين ماذا يريد شاعر عربي آخر أن يقول بشأنك، حتى لو لم يتحدّث بشأنك.
قلتُ في مقدمة رحلات أبي دلف إلى الصين وأرمينيا، أنه كتبها بروح الشاعر، وليس البلدانيّ، لذا كتب ما يحلو له، وربما كان يَلْزم شاعر لفهم مساراته المتشظّية، وإيجاد منطقها الداخليّ. الحاصل أنه لم يُقرأ شاعراً وقُرأ وفُسّرَ على أنه عالم جغرافيا وبلدانيّ صارم، وُضعِّفَ لذلك. قراءة ما بين السطور جوهريّة، شرط ألا تقرأ نفسك ومعتقداتك المُسْبَقة عن الكاتب بين السطور. هذا أصعب ما بين السطور. مهما فعلنا، نحن لا نعيد الاعتبار للشعر في أيامنا هذه، الشعر هو الذي يعيد الاعتبار لنا.
التطرُّف في الشعر الذي أقبله وأُدافع عنه، خلافاً لجميع أنواع التطرُّف السياسيّ والدينيّ، هو تطرُّفٌ من أجل الجميل والمهيب، والقريب المُتوتّر لشكلٍ من أشكال الحقيقة. التطرُّف في الشعرِ، هو التطرُّف الوحيد الذي أُدافع عنه.
الإحباط" مفهوم يُفسّر مواقف كثير من الشعراء العرب، بشأن موقف الرأي العام منهم، كلما توغلوا في العمر، وكلما اضطرب المشهد العام. فهل هم أيضاً مسؤولون عن هكذا "إحباط" مُدَوّخ بسبب تماهيهم لوقت طويل مع مفاهيم هذا الرأي العام؟
الشعر ربح كثيراً اليوم بوجود النساء، القارئات والشاعرات المتساويات عددياً مع كمية الرجال التي كانت طاغية فيما سبق. لم تعد المشكلة، في الأقلّ، صراع ديكة و"فحول”. لا يَخفى على أحد مآل ومغزى صراع الديكة و"الفحول”.
الدعوة للتفكير بالشعر من جديد اليوم، لا تعني أن الداعي يمتلك زمام الحقيقة.
تأملات في الشعر: الجميل والمهيب
نشر في: 2 يونيو, 2017: 09:01 م