يبدو لنا أن تأصيل الأصول الثقافية والشعرية، مهمّة ضرورية، أُسِيء استخدامها غالباً، انطلاقاً من بداهات لم يقع الاتفاق عليها، لصالح الأصوليين وحدهم، في حين أنها ميزة منهجية حداثية من ميزات المعرفة، وشأن من شؤون التراكُم المعرفيّ الذي هو مفهوم طليعيّ بالأحرى.مفهوم الغموض والإبهام قائمٌ منذ زمن السؤال (لِمَ تقول ما لا يُفهم) وجوابه (لِمَ لا تَفهم ما يُقال)، مروراً بالسجالات العنيفة، عند انطلاق الشعر الحديث وشعر التفعيلة في نهاية أربعينيات القرن الماضي. مازالت أصداء الاتهامات بل السخرية من غموض استعارات الشعر وغرابتها، تتردّد في ذاكرة المعنيين بانطلاقة الشعر العربيّ الحديث.
الإشكالية قائمة. ومن أمثلتها أن طلاب معاهد الفنون الجميلة في العالم العربيّ لا يستسيغون غرابة استعارات الشعر الحديث، رغم أن مثلها موجود في الرسم السورياليّ، وأن هنري ميشو مدروس فيها بصفته رسّاماً دون مُقارَبة لعلاقة رسمه بشعره.
فما الذي يمكن تأصيله من أصول هذه الإشكالية؟ في لسان العرب نقرأ أنّ "كلاماً مُبْهَماً هو الذي لا يُعرَف له وَجْه يؤتى منه، مأخوذ من قولهم حائط مُبْهَم إذا لم يكن فيه بابٌ". والمقارَبة مستلهمة من فن العمارة لأنها تحيل الى مصطلح الحائط الأصمّ والشبّاك (المبهم) الذي لا باب فيه، أي أن بهما شكل الباب أو النافذة لكن دون وجودهما الفعليّ ولا وظيفيتيهما المألوفتين، كأنهم قالوا إن مفردات اللغة المبهمة موجودة في المعجم لكن دون المعنى الدقيق الذي يمنحه المعجم لمفردات اللغة.عند التدقيق باللسان، نجد أن مفهوم (الغموض) لا يتطابق مع مفهوم (الإبهام)، وإنْ تقاطعا. الأخير يبدو وكأنه يشير إلى لا يُستدل عليه بدقة أو بحجة معروفة، أو هو ما لا يمنح وجهاً لمقارَبته بالمألوف، أو هو الخفيّ والمخفيّ (المستَحْسَن؟). نقرأ في اللسان: "يقال أُبْهِم عن الكلام. وطريقٌ مُبْهَمٌ إذا كان خَفِيّا لا يَسْتَبين. واستَبْهَم عليهم الأَمرُ: لم يدْرُوا كيف يأْتون له. واسْتَبْهَم الأَمْرُ إذا اسْتَغْلَق، فهو مُسْتَبْهِم. وفي حديث عليّ: كان إذا نَزَل به إحْدى المُبْهَمات كَشَفَها؛ يُريدُ مسألةً مُعضِلةً مُشْكِلة شاقَّة، سمِّيت مُبْهَمة لأَنها أُبْهِمت عن البيان فلم يُجْعل عليها دليل، ومنه قيل لِما لا يَنْطِق بَهِيمة. وكلام مُبْهَم: لا يعرَف له وَجْه يؤتى منه، مأخوذ من قولهم حائط مُبْهَم إذا لم يكن فيه بابٌ. أَبْهَمَ عليّ الأَمْرَ إذا لم يَجعل له وجهاً أَعرِفُه. وإبْهامُ الأَمر أَن يَشْتَبه فلا يعرَف وجهُه، وقد أَبْهَمه. وحائط مُبْهَم لا باب فيه. وبابٌ مُبْهَم أي مُغلَق لا يُهْتَدى لفتحِه إذا أُغْلِق. وليلٌ بَهيم لا ضَوء فيه إلى الصَّباح. يقال أَمرٌ مُبْهَم إذا كان مُلْتَبِساً لا يُعْرَف معناه ولا بابه".في غالبية دلالات (الغامض) و(المُبهم) نقع على أوصاف لكلّ كلامٍ خارجٍ عن الكلام المألوف، صارم المعنى أو أحاديّ الدلالة قائم على دلالة المنطق الشكليّ الذي يُستدل به (يُؤتى منه). يُكرِّس اللسان كلاماً مشابهاً عن مفهوم الغموض: "والغامِضُ من الكلام خلافُ الواضحِ. والغامِضُ من الرجال هو الفاتِرُ عن الحَمْلةِ؛ وأَنشد (والغَرْبُ غَرْبٌ بَقَرِيٌّ فارِضُ - لا يَسْتَطيعُ جَرَّه الغَوامِضُ). ويُقال للرجل الجيِّدِ الرأْي "قد أَغْمَضَ النظر". وأَغْمَضَ النظر إِذا أَحْسَنَ النظر أَو جاء برأْي جيِّد. وأَغْمَضَ في الرأْي أَصابَ. ومسأَلة غامِضةٌ أي فيها نَظر ودِقّةٌ. ودارٌ غامِضةٌ إِذا لم تكن على شارع، وقد غَمَضَتْ تَغْمُضُ غُمُوضاً. وحَسَبٌ غامِض غير مشهور. ومعنىً غامِضٌ أي لطِيف".ما نستشفُّه من هذه الفقرات أن (خلاف الواضح) لا يعني (المَعمَّى المُغلق)، إنما هو من يمتلك وجهة نظر مُركَّبة، أي النظر المُرْهَف الدقيق الذي يُحْتاج إلى تقليبه والتأمُّل فيه. بل أن اللسان يُصرِّح أن المعنى الغامض هو المعنى اللطيف. وقد قال ابن فارس مُلخِّصا الإشكالية: (الغين والميم والضاد أصلٌ صحيح يدلُّ على تطامُنٍ في الشَّيء وتداخُل). وبذا نفهم الغموض في الكلام على أنه دالة النظر المُختلِف، في الأقلّ، والمرهف.
فماذا نقول بعد ذلك عن غموض الشعر الذي هو لغة في اللغة؟
سجال الغموض والإبهام من جديد
نشر في: 10 يوليو, 2017: 09:01 م