TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > تلويحة المدى: ما (التراث) الأوروبي ولماذا لا يستخفّون به؟ ولِمَ يستخفّ العرب بتراثهم؟

تلويحة المدى: ما (التراث) الأوروبي ولماذا لا يستخفّون به؟ ولِمَ يستخفّ العرب بتراثهم؟

نشر في: 2 يوليو, 2018: 07:20 م

 شاكر لعيبي

إنه بشكل أساسيّ، الإرث اليونانيّ وعلى رأسه فلسفتي أرسطو وأفلاطون، ومن بعده التراث الرومانيّ وثقافة العصور المسيحية بجميع تياراتها وأصولها. كُتُب هذا التراث تُعاد طباعتها دورياً منقّحة ومُعلَّقاً عليها، بينما الدراسات حول هذا التراث فهي من الاستمرارية بحيث لا تكاد المطابع الأوروبية تتوقف عن إنتاج المزيد من الأعمال كل يوم. هل يُدْرس بروح دينيّة أو رجعيّة أو قومانيّة؟ غالباً، كلا، يبحث الأوروبيون فيه عما قد يفيد حاضرهم. إنه مجموعة من النصوص العتيقة، شعراً ونثراً وفلسفة وحكاياتٍ ولغةً ورسائل حول مختلف الشؤون التي يُعاد فحصها بشكل منتظم ومنهجيّ، من أجل تطوير أفكار جديدة تنفع الحاضر الثقافيّ، وليس البقاء في تمجيدها وتصنيمها، كما فعلت الثقافة العربية وتفعل حتى صار التراث فيها رديفاً للبقاء في الماضي، روحياً وإبداعياً، رغم ثرائه وتنوع موادّه وتناقضات مواقفه وتبايُن معتقدات مؤلفيه.
أسلافنا أنفسهم قرأوا بعمق جزءاً كبيراً من التراث الأوروبيّ، اليونانيّ لهذا الغرض المعرفيّ، النقديّ بما يفيد ويجدّد ثقافة تلك اللحظة، فقد جاء في كتاب الحيوان للجاحظ مثلاً:
"قال بعضهم: ما بال ديسيموس يعلِّم الناسَ الشِّعرَ ولا يقول الشعر قال: هو كالمِسَنِّ الذي يشحَذ ولا يقطع". والمِسَنّ: هو الأداة التي تُشحذ بها السكاكين. وهناك أكثر من مثقف يونانيّ واحد يحمل الاسم Decimus، ولعله يقصد ديسيموس لابريوس (حوالي ١٠٥ قبل الميلاد - ٤٣ ق.م.) كان فارساً وكاتباً رومانياً للتمثيل الصامت (المهازل).
كان الجاحظ، مداوَرَةً، يُقدّم في الحقيقة تعليقاً عن الفارق بين الناقد والشاعر.
اليوم نحن لا نقرأ شيئاً كبيراً من التراث العربيّ الضخم، خاصة الأجيال الشابة، بزعم تقعّره، وموات الأفكار العظيمة فيه وعدم منفعته في إضاءة مشكلات الراهن، وبسبب الاعتقاد أنه موطن للأفكار البائدة والسلفية، وخلطه الدولة والسياسة بالدين.
لكن هذه الاعتقاد هو رفضٌ معاصر للخلط الحالي بين الدين والسياسة، المُستثمَر على نطاق واسع.
في الثقافة الأوربية أيضاً، ثمة "سلفية" عند بعض المؤيدين لروح وجوهر النزعة الثقافية المسيحية- اليهودية التي يعتقد بعضهم في أمريكا وأوربا، متأسسين على قراءة معينة للنص الدينيّ أنها تتفوّق على ما سواها، فتقرأهم وتُفسّرهم بطريقة قد نسميها (رجعية). منذ الليبراليون الجدد وصولاً إلى ما يسمى الآن بالمسيحية الصهيونية، ثمة قراءة سلفية في جوهرها لبعضٍ من التراث الأوربيّ.
يتساءل المرء عن الفارق بين سلفيينا الإسلاميين، وسلفية ترامب وجماعته من المتأسسين على تلك القراءة للمسيحية؟ من وجهة نظر قصور الإداء والانغلاق المزمِن، وطريقة التفسير الثابث والأحاديّ والأيديولوجيّ للنص الدينيّ. لا فارق وليس مهماً فيما بعد ديانة وتراث تلك القراءات. هل نتحدث عن (الإخوان المسيحيين) في أمريكا؟ عن خلط للدين والسياسة هنا وهناك؟ نعم في الحالتين.
لكن موقف الأوروبيين من تراثهم، في مجمله، قائم على القراءة العقلانية والتاريخية وعلى منهجية معاصرة وبمواقف متطوّرة ولا- دينية. كتب هنري لوفيفر بما معناه أنه يفتش في التراث الأوربيّ عمّا قد يضيء وينفع اللحظة المعاصرة الراهنة. وهذا هو الفارق بين القراءة الأوربية المتواصلة لأرسطو، والعزوف الحَرد العربيِّ عن قراءة ابن رشد، مع عظمته.
موقف الأوروبيين من (تراثهم) قد يُقدّم أفقاً جديداً لتفكير العرب بتراثهم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ارتفاع حصيلة حادث تصادم طريق الناصرية-السماوة إلى 13 ضحية

أنشيلوتي يتحدث عن مبابي.. "لديه فرصة" مثل رونالدو

السوداني يبحث تطورات الأوضاع في سوريا خلال اتصال هاتفي

إطلاق سراح 500 مشمول بقانون العفو العام

القبض على 7 اشخاص اطلقوا النار في الهواء ببغداد

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

الطائفيّة بين الاستعمار ومناهضة الاستعمار

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram