TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > تلويحة المدى: لماذا يرتبط ((النظر)) بـ ((الانتظار)) اشتقاقياً؟

تلويحة المدى: لماذا يرتبط ((النظر)) بـ ((الانتظار)) اشتقاقياً؟

نشر في: 15 أكتوبر, 2018: 08:08 م

 شاكر لعيبي

قد يُدهش المرء قليلاً أن (الانتظار) و(النظر) في قاموسنا العربيّ من أصل اشتقاقيّ واحد. وهذا التعالُق من شعريات "لسان العرب". ففي اللسان التَّنْظارُ هو النَّظَرُ؛ قال الحطيئة (فما لَكَ غَيْرُ تَنْظارٍ إِليها - كما نَظَرَ اليَتِيمُ إِلى الوَصِيِّ)، والنَّظَرُ هو الانتظار. يقال نَظَرْتُ فلاناً وانْتَظَرْتُه بمعنى واحد، فإِذا قلت انْتَظَرْتُ فلم يُجاوِزْك فعلك فمعناه وقفت وتمهلت. كأن المنتظِر هو الواقف ينظر ما سيقع أو سيحدث أو أنه يتوقع شيئاً عبر فعل النظر.
ومنه قوله النص القرآنيّ "انْظُرُونا نَقْتَبِسْ من نُوركم"، قرئ انْظُرُونا وأَنْظِرُونا، فمعناهما انْتَظِرُونا أو أَخِّرُونا؛ وقيل معنى أَنْظِرُونا انْتَظِرُونا أَيضاً؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم (أَبا هِنْدٍ فلا تَعْجَلْ علينا - وأَنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا). تقول العرب أَنْظِرْني أَي انْتَظِرْني قليلاً، ويقول المتكلم لمن يُعْجِلُه (أَنْظِرْني أَبْتَلِع رِيقِي) أَي أَمْهِلْنِي. والعرب لا تقول نَظَرْتُ إِلى الشيء بمعنى انتظرته، إِنما تقول نَظَرْتُ فلاناً أَي انتظرته؛ ومنه قول الحطيئة (نَظَرْتُكُمُ أَبْناءَ صَادِرَةٍ لِلْوِرْدِ، طَالَ بها حَوْزِي وتَنْساسِي) وإِذا قلت نَظَرْتُ إِليه لم يكن إِلا بالعين، وإِذا قلت نظرت في الأَمر احتمل أَن يكون تَفَكُّراً فيه وتدبراً بالقلب.
وهنا، من جديد يربط اللسان النظر بعملية التفكُّر أي البصيرة. ومن ذلك قولهم فرس نَظَّارٌ إِذا كان شَهْماً طامِحَ الطَّرْفِ حدِيدَ القلبِ؛ قال الراجز أَبو نُخَيْلَةَ (يَتْبَعْنَ نَظَّارِيَّةً لم تُهْجَمِ) نَظَّارِيَّةٌ هي ناقة نجيبة من نِتاجِ النَّظَّارِ، وهو فحل من فحول العرب؛ قال جرير (والأَرْحَبِيّ وجَدّها النَّظَّار لم تُهْجَم) أي لم تُحْلَبْ.
فهل المُناظَرة أي المساجلة من ذلك؟ هي منه تماماً. فالمُناظَرَةُ أَن تُناظِرَ أَخاك في أَمر إِذا نَظَرْتُما فيه معاً كيف تأْتيانه. [كأن الأمر يتعلق بزاوية النظر إلى الموضوع]. ولا علاقة لها بالمنظر والمنظرة إلا قدر اتصالهما بعملية النظر. هنا نحن في المظهر الخارجيّ وليس التأمّل والبصيرة. فالمَنْظَرُ والمَنْظَرَةُ هو ما نظرت إِليه فأَعجبك أَو ساءك، والمَنْظَرَةُ مَنْظَرُ الرجل إِذا نظرت إِليه فأَعجبك، وامرأَة حَسَنَةُ المَنْظَرِ والمَنْظَرة أَيضاً. ويقال إِنه لذو مَنْظَرَةٍ بلا مَخْبَرَةٍ. والمَنْظَرُ هو الشيء الذي يعجب الناظر إِذا نظر إِليه ويَسُرُّه. ويقال (مَنْظَرُه خير من مَخْبَرِه). ورجل مَنْظَرِيٌّ ومَنْظَرانيٌّ حَسَنُ المَنْظَرِ؛ ورجل مَنْظَرانيٌّ مَخْبَرانيّ. ويقال إِن فلاناً لفي مَنْظَرٍ ومُستَمَعٍ، وفي رِيٍّ ومَشْبَع، ويقال لقد كنت عن هذا المَقامِ بِمَنْظَرٍ أَي بمَعْزَل فيما أَحْبَبْتَ [أي بعيداً عن منظر هذا]، وإِنه لسديدُ النَّاظِرِ أَي بَرِيءٌ من التهمة ينظر بمِلءِ عينيه.
فالنظر في كل ذلك ينطوى على العقل والتحكُّم والإرداة، وليس فعلا عفوياً أو غريزياً. ويتضمن الإعجاب كذلك، وهو فعل مقصود بصير. والإعجاب الأيروتيكي بشكل خاص، إذ تقول العرب (بنو نَظَرَى ونَظَّرَى) أي أَهلُ النَّظَرِ إِلى النساء والتَّغَزُّل بهنّ؛ ومنه قول الأَعرابية لبعلها (مُرَّ بي على بَني نَظَرَى، ولا تَمُرَّ بي على بنات نَقَرَى)، أَي مُرَّ بي على الرجال الذين ينظرون إِليّ فأُعجبهم وأَرُوقُهم ولا يَعِيبُونَني من ورائي، ولا تَمُرَّ بي على النساء اللائي ينظرنني فيَعِبْنَني حسداً ويُنَقِّرْنَ عن عيوب من مَرَّ بهن.
يصير جلياً أن عملية النظر واقعة في البصيرة والتأمل والتفكر، مثل تعلُّق عملية (البصر) بـ (البصيرة). وقد فرّقوا لهذا السبب بين النظر والنظرة الواحدة. فالنَّظْرَةُ هي اللَّمْحَة بالعَجَلَة؛ ومنه الحديث أَن النبيّ قال لعلي (لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فإِن لك الأُولى وليست لك الآخرةُ). والنَّظْرَةُ هي الهيئةُ. وقال بعض الحكماء (من لم يَعْمَلْ نَظَرُه لم يَعْمَلْ لسانُه)؛ ومعناه أَن النَّظْرَةَ إِذا خرجت بإِبكار القلب عَمِلَتْ في القلب، وإِذا خرجت بإِنكار العين دون القلب لم تعمل، ومعناه أَن من لم يَرْتَدِعْ بالنظر إِليه من ذنب أَذنبه لم يرتدع بالقول. ولعلّ هنا تلخيص لـ (جماليات النظر) وفق لسان العرب.
(ن ظ ر) مادة متعددة المعاني (polysémique) بطبيعتها الداخلية، ومنها معنى واقع في صلب الشعريات.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

وزير الكهرباء: الخطوط المشمولة بالعقوبات الأميركية توفر 800 ميغاواط

الصدر بمناسبة العيد: اتمنى عراق بلا سلاح منفلت

الاتحاد العراقي يطرح 4 مدربين بدلاء عن "كاساس"

إيران تعلن غداً أول أيام عيد الفطر

مكتب المرجع السيستاني: غداً الإثنين أول أيام عيد الفطر

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: سافرات العبادي

العمود الثامن: العدالة على الطريقة العراقية

الحرب الباردة بنسختها الثانية

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

قناطر: متاحفنا بلا زائرين. . لماذا؟

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram