TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > هل ستغزونا امريكا ثانية؟

هل ستغزونا امريكا ثانية؟

نشر في: 10 نوفمبر, 2012: 08:00 م

اكثر شيء كان يثير سخطي حين اخوض نقاشا مع سياسي او ناشط مؤيد لاوباما هو تكرارهم ان الحزب الديمقراطي لا يريد ان يتدخل في العراق وان الادارة الامريكية الحالية على عكس ادارة بوش السابقة، فضلت ان تترك العراقيين ليديروا صراعاتهم بأنفسهم ويتعلموا الديمقراطية وتقدم لهم دعما في مجال المال والاستثمار وصناعة النفط دون تدخل في الشؤون الاخرى!

آخر لقاء في نيويورك قبل العودة الى العراق كان مع سيدة تحب الشرق الاوسط وتؤيد اوباما وتضع في صالونها صورة تجمعها بالرئيس الاسمر الذي ظل ملهما للكثيرين حول العالم ولا يزال يثير اعجاب معظمنا في كثير من النواحي. وحين ظلت تردد علي الكلام نفسه حول حرص امريكا على عدم التدخل في شؤوننا، رحت اسرد لها مرثية تاريخية بسيطة كي نوضح محور النقاش بصراحة قد لا ترضي كثيرا من الشرقيين والغربيين.

وابتدأت مرثيتي كما يلي: كنا يا سيدتي خلال اخر الفي عام جزءا من عدة امبراطوريات يهابها الجميع، مرة يكون وادي الرافدين عاصمتها واخرى يكون جزءا اساسيا منها. وقبل مائة عام انهار كل شيء وتحولنا الى دول صغيرة عزلاء وضعيفة وظهرت لدينا مشكلتان، الاولى ان لدينا نفطا تحتاجونه، والثانية اننا نقع على خط التماس على الحدود بين غرب تقوده امريكا وشرق تتصدره الصين وروسيا، وهما يتصارعان على ارضنا نحن الذين لم يرحمنا الشرق ولا الغرب. وعلى طول الخط كنا ضعفاء وسنبقى حتى اشعار آخر، وضعفنا يجعل بلداننا تعاني فراغ قوة مرة تملؤه روسيا ومرة تملؤه امريكا. وحين تقولون انكم لن تتدخلوا في شؤوننا فإن روسيا ستتدخل بمساعدة ايران وستعيدنا الى "محور الشر" حسب مصطلحات حرب القرن الحادي والعشرين نصف الحارة ونصف الباردة. وحينها ستضطرون الى محاصرتنا ثانية وربما احتلالنا لتأمين مصالحكم الاستراتيجية و"تجفيف منابع الارهاب"وسوى ذلك.

السيدة تؤكد ان اوباما لا يفضل لغة الحرب وهو يدير الامور سياسيا ولن تحصل اي مشكلة مع العراق، لكنني قلت لها: اذا فاز الجمهوريون بعد اربع او ثماني سنوات ووجدوا ان اهمال اوباما للعراق جعل منه ساحة لنفوذ روسيا والصين وايران، وحاكما لا يتجاوب مع واشنطن، فقد يقررون اعادة احتلال العراق ثانية. ترد السيدة: لنأمل ان يتغير الجمهوريون ولا يفعلونها ثانية، او تتغيروا انتم ولا تعودون مرة اخرى الى "محور الشر"!

اما انا فأعتقد ومعي الكثير من العراقيين، بأن حاكمنا لن يتغير سريعا ولن يتعلم ما ينبغي تعلمه، وان امريكا لن تتنازل ثانية عن موطئ القدم العراقي الحساس على خطوط التماس مع الفناء الخلفي لروسيا، والدليل ان السيد اوباما يتدخل في شؤوننا رغم تأكيده انه لا يفعل، والا فمن انقذ المالكي من ملف سحب الثقة الاكيد الصيف الماضي سوى ضغوط متوازية مارستها واشنطن وطهران؟

ان التدخل الذي يحتاجه العراق ليس سلبا للسيادة ولا احتلالا عسكريا، بل ما يحتاجه العراق هو التزام امريكي بدعم التعددية السياسية وتحذير الحاكم العراقي من الانقلاب عليها. وقد بدأ سلطاننا بالغاء الكثير من الضمانات الدستورية للتعددية السياسية، فقد الحق الهيئات المستقلة بمكتبه، وسلب البرلمان حق التشريع بالتحالف مع فتاوى القضاء، وراح يحصل على فتاوى قضائية تمنع استجواب الوزير والامير، واصبح ملكا وحيدا على مليون جندي واستولى على احتياطي البنك المركزي، وراح يطرد عمالقة النفط من البصرة بسبب سوء ادارة ملف البترول، واخذ يحرض العرب على الاكراد والشيعة على السنة ويحاول حشد الطائفة المسكينة وراءه كبطل لحرب رعناء يمكن ان يعلنها في اي لحظة لجعل الجمهور ينسى فشل حكومته ويمنح صوته لحاكم فاشل يزعم انه يدافع عن مستقبل الطائفة.

وفي المحصلة فان الامور تتجه نحو خسارة الطائفة لفرصة اعتدال تاريخية، وخسارة العراق لخيار تحالف محسوب مع مراكز القوى الغربية، وخسارة امريكا نفسها لتعدد سياسي في العراق يمكن ان يمثل مدخلا شرعيا لدولة بمعايير مدنية تتعايش مع الشرق والغرب.

العراق يحتاج ضغطا امريكيا بسيطا على سلطاننا كي لا نتحول ثانية الى بلد يحكمه مستبد متشدد يقوده مزاجه نحو سياسات ايران وروسيا ويجد نفسه في اقرب فرصة في نزاع جديد مع امريكا، وكان اخر ما قاله حاكم البنك المركزي المقال لمقربين منه، ان استمرار العراق في منح ايران تسهيلات مالية ولوجستية قد يؤدي الى عقوبات دولية جديدة على بغداد، وان على المالكي ان يأخذ تحذيرات الغرب بشكل جدي.

لقذ ظل اوباما يتعامل مع العراق بوصفه خطيئة جورج بوش، وتعمد ان يتصرف هكذا امام الناخب الامريكي وان يتعفف عن العراق كخطيئة ويحمله بمنديل ورقي "كلينكس" خوفا من التلوث بتلك المعصية. لكن هذا لن ينقذ امريكا ولا العراق، واي تهاون في كبح جماح سياسات بغداد الداخلية بتخبطها وتسرعها، سيقود نحو انهيار عراقي تتضرر منه امريكا قبل العراقيين. والامل كما قال لي عضو في حزب اوباما متعاطف مع تأويلنا للمشكلة العراقية، ان الرئيس سيكون اكثر حرية في ولايته الثانية ولن يحسب حساب ترشح جديد ولذلك فقد يعدل سياسته في الملف العراقي ويعيد رسم التزاماته لدعم التعدد السياسي ومسار تداول السلطة في العراق. الوقت لم ينفد بعد ولا زال بالامكان منع الانهيار العراقي في زمن انهيارات بلا نهاية في الشرق الاوسط. لنأمل ذلك، كي لا تغزونا امريكا ثانية!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram