اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > عقاب الولايات المتحدة

عقاب الولايات المتحدة

نشر في: 22 أغسطس, 2020: 07:31 م

 د. أثير ناظم الجاسور

باعتراف العالم إنها القوة الأكبر وتمتلك ما يؤهلها لذلك وباعتراف الجميع إنها مهيمنة على كل ما له علاقة بمحركات هذه القرية الصغيرة من خلال امتلاك مفاتيح بواباتها الملوسة والافتراضية هذا لا يعني أنها لا تواجه تنافساً شديداً من قبل القوى الأخرى لكنها لاتزال الوحيدة والمسيطرة سواء في النظرية أو التطبيق،

ومهيمنة أيضاً في مجال أخرى غير السياسة والاقتصاد والحرب فأغلب النظريات السياسية التي يتلقاها الدارس اليوم هي من منظرين أميركان، وامتازت هذه النظريات أنها وجدت لها أرضية للتطبيق في مختلف المجالات فهي تمتلك مراكز تفكير ترسم وتخطط لصانع القرار ما يفعل والآليات المستخدمة في هذه الأزمة وهذا التوجه، اليوم هي جربت ونفذت نظرياتها وفق المدارس التي تغذي مؤسسات صنع القرار فيها ومن خلال ذلك الجميع أيضاً يعترف على أنها دولة مؤسسات، والأخيرة لعبت دوراً كبيراً في رسم الأهداف الستراتيجية الاميركية إلى جانب تلك المؤسسات الغير حكومية التي تلعب دوراً ايضاً في هذه المجال، فكل مناطق ودول العالم جربت القدرة الاميركية سواء كانت هذه القدرات قد تدخلت بطرق إيجابية ام سلبية بالنتيجة هناك بصمة أميركية يعدها الكثيرين بداية سواء كانت فوضى أم استقرار، فمنذ أن بنت الولايات المتحدة قدراتها السياسية والعسكرية وحققت تأثيراتها الاقتصادية وهي تمارس كافة صلاحيتها الشرعية وغير الشرعية كقوى عظمى ماسكة بزمام الأمور في هذا العالم المتحول، وتدير الملفات التي تراها تتناسب مع مصالحها وفق رؤيتها وتصورها للأحداث من خلال قياس درجات التحالفات والقوة والتنافس والصراع وفق رسم بياني هي تحدد صعوده وهبوطه، وتتعامل مع كل حدث من مستوى القوى العظمى بالرغم من أنها لا تنسى وتركز في أدق التفاصيل حتى التي يراها الكثيرين أنها لا تجدي نفعاً أو قضايا لا يمكن أن تكون ذات فائدة.

بعد الحرب الباردة مارست الولايات المتحدة صلاحياتها وطبقت كل ما ترغب به من ستراتيجيات محاولة من خلالها التوغل لمناطق جديدة تحمل أهمية كبيرة وفق التفكير الستراتيجي الجديد أو الذي قد يكون متناسباً مع المرحلة الجديدة، لكنها بقيت تمارس في حالات كثيرة ذات الأسلوب السابق الذي يدل على أنها تتعامل مع كل منطقة أو دولة وفق سلوك وتفكير الأخيرتين، وفي الأغلب كانت أغلب الممارسات عقابية وسنركز على العقابية وتحديداً على العراق، على اعتبار أن القرن العشرين كان حافلاً بعقاب الشعوب وأنظمتها وحتى القرن الحادي والعشرين وتحت ذرائع مختلفة بين تهديد مصالح وبين تهديد الأمن والسلم الدوليين وبين مناطق نزاع الخ ... من الذرائع التي سمحت من خلالها التدخل في شأن الدول الأخرى وراحت ترسم وتخطط لها مستقبلها وما زالت مستمرة بذات النهد وذات السياسية، فتارة تعاقب شعوب دول بمناصرتها لدكتاتوريات لا مثيل لها في تاريخ البشرية وتارة لمحاربة الدكتاتوريات وتارة أخرى لتخليص دول وشعوب من الظلم والقهر.

هذا ما حصل بالفعل مع العراق وبحذافيره ونبدأ منذ الحرب العراقية – الإيرانية لم تكن الولايات المتحدة متضررة من حرب الطرفين بل كانت من أكثر المستفيدين منها وكانت تغذيهما سواء في العلن أو في الخفاء، فبالرغم من أن العراق خرج من هذه الحرب مثقلاً بالديون وبناه التحتية مدمره إلا أنها كانت لا تزال تفكر في العراق عمود توازن ضمن فكرة العمودين المتساندين على اعتبار المنطقة كانت بحاجة لحليف يملأ فراغ التحولات الحاصلة فيها لأهميتها وحساسيتها، لكن عندما أراد العراق أن يهدد مصالحها في غزوه للكويت كان من الضروري معاقبته حتى بعد رسالة الاطمئنان من قبل السفيرة الاميركية لصدام حسين بان ما يحدث شأن داخلي ولا علاقة لبلدها بما يحدث لكن معطيات الأحداث كلها تصب في أن الولايات المتحدة من الواجب أن تتدخل لسببين الأول أن العراق بات يهدد مصادر تدفق النفط للغرب بعد أن أصبح عدواً للولايات المتحدة وقد يكون اكثر قوة في هذا الجانب وعليه كانت الولايات المتحدة غير راضية على ان تؤل الأمور لهذا المستوى، وثانياً لتعزيز تواجدها في المنطقة بشكل مباشر وعلى الأرض فهي لم تعد ترتضي قيادة العالم من خلال وكلائها وحلفائها خصوصاً وهي تعمل على تعزيز مكانتها كقائدة للنظام العالمي، بالمحصلة فان التدخل الأميركي لم يكن لسواد عيون الكويتيين شعباً وحكومة بقدر ما كانت تريد أن تضع حداً لكل من يحاول أن يسيطر على النفط وكان العراق كبش الفداء، بدأت عملية العقاب عندما وضعت العراق تحت البند السادس والسابع وتبعه حصار خانق حقيقته كانت موجهة للشعب العراقي أكثر من النظام السياسي آنذاك وهي عملية تتبعها عندما تحاول افراغ أي نظام سياسي مشاكس من محتواه وتأييده الشعبي، فهذا الحصار صار ينخر في جسد المجتمع العراقي بعد أن أنهكه وحقق خللاً في بنيته الأساسية بعد أن محت الطبقة الوسطى التي تعد الضامن الأساسي في البناء الاستقرار الاجتماعي، وتحولت بالتدريج إلى العمل على طريقة تفكير المواطن ورؤيته لنظامه السياسي الذي لم يكن على قدر من الحكمة في التعامل مع قضاياه الداخلية وحتى الخارجية.

ما أن استمر هذا الحصار في تضييق الخناق على العراقيين حتى بدأت الفجوة بينهم وبين النظام الذي بدأ يخسر تدريجياً شعبيته سواء بسبب الممارسات التي كانت تنتهج في الداخل أو عدم إدراكه اللعبة الدولية والإقليمية التي كان يتعامل معها بواقع مفهوم أدنى من أن يكون مفهوم صناع قرار، إلى أن جاءت لحظة الحسم بالنسبة لها واعلنت حرب تحرير الكويت التي عملت على تدمير العراق من الداخل، فهي لم تستهدف أركان النظام ووافقت على وقف اطلاق النار بالمقابل استمرت بالضغط على تنفيذ إجراءات الحصار، وأيضاً على تدمير البنية التحتية وتدمير الاقتصاد العراقي واستهدفت كل ما له علاقة بحياة المواطن وخدماته وهي مدركة أن ما قامت به لا يؤثر على النظام وتماسكه في الداخل بقدر ما يؤثر على المواطن وحياته، واستمرت سياسة العقاب من خلال استهداف المنشآت العراقية وما تقوم به من عمليات عسكرية جوية بين الحين والأخر إلى أن قررت الإدارة الاميركية انهاء وجود النظام العراقي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي أعطت الضوء الأخضر للتحرك ليس على العراق فقط إنما على نقاط محددة ومعينة في العالم حتى قبل هذه الاحداث.

بعد العام 2003 كان الحديث عن نموذج اميركي ( العراق الجديد) نموذج ديمقراطي يحتذى به تحدثت عنه الصحافة الامريكية وأصحاب الراي والسياسة، وبالرغم من المعارضة الشديدة أوروبياً وآسيويا وأفريقياً لهذه الحرب إلا أن مشروع غزو العراق كان قائماً ومخططاً له وما كان يحتاج إلا التنفيذ وقد تحقق، قد يرى بعض المهتمين أن الولايات المتحدة لم تدرس خيارات عراق ما بعد الغزو لأنها ببساطة لم تدرس مزاج وسلوك المجتمع العراقي وكيفية التعامل معه على اعتبار أنها اعتمدت على ما نقلته أحزاب المعارضة آنذاك أحزاب الحكم حالياً وشخصياتها لذلك كانت الأوضاع سيئة وغير مستقرة، لكنها بالحقيقة بعد غزو العراق تعرفت على طبقات المجتمع العراقي وتعاملت مع كل فئة وفق تبنياته ورغباته وأهدافه التي يحاول الوصول إليها من خلال تقلد الحكم وتعرفت على الطبقة التي تنوي حكم العراق وتوجهاتها وانتماءاتها حتى إنها باشرت بكل ما يمكن أن يستميل المزاج الحزبي الانتقامي الذي ساد الوضع في تلك المرحلة، فكانت العقوبات الاميركية تجاه الشعب العراقي متعددة أولها تشكيل كيان عزز الانقسام مكون من الأحزاب التي جاءت معها ( مجلس الحكم الانتقالي) الذي كان اللبنة الأساسية لنظام المحاصصة والحصص التي سارت مع بداية العلمية السياسية ولغاية اليوم إضافة إلى دعمها لشخصيات حزبية مارست أيضاً من خلالها قسوتها وطبقت عقابها، العقوبة الثانية كانت القسوة المفرطة بالتعامل مع مناطق عراقية متعددة بحجة محاربة المتمردين والتي من خلالها تم تبديد ملايين الدولارات من صندوق إعمار العراق في سبيل تغطية العمليات الحربية التي تواجهها القوات المحتلة في العراق، والعنف المفرط الذي نجم عنه سقوط العشرات من النساء والأطفال وكبار السن ناهيك عن حملات الاعتقال الليلي واقتحام المنازل، العقوبة الثالثة هي كانت لها الأثر الأكبر في أن يبقى العراق رهين سياسات دول الجوار بعد أن جعلت الولايات المتحدة الأراضي العراقية مفتوحة أمام تسلل المقاتلين من كل أنحاء العالم وأيضاً جعلت منها ساحة لتصفية الحسابات ومن خلال هذه السياسة تم تصنيف العراقيين على الولاء والانتماء.

من الصعب إذا ما أردنا الحديث عن عقاب الولايات المتحدة للعراق في مقالة أو كتاب لأن ما حدث على ارض الواقع مؤشراته ومعطياته وتجلياته كلها واضحة لا لبس فيها، والعقوبة التي فرضت على العراقيين لا تزال قائمة لا بل تتطور وتُحدث مع كل تغيير يطرأ على التفكير الأميركي، لكن حقيقة الأمر أن الولايات المتحدة في أغلب نماذجها التي أرادت منها أن تسير في ركبها تتركها للفوضى والفوضى هي تبدأ بتصحيح المسار بعد ان تستهدف نقاط معينة من هذا النموذج وتحاول التضييق عليه كما فعلت مع النظام السابق، الخطأ الكبير الذي وقعت به الأحزاب العراقية أنها لم تكن وفيه للولايات المتحدة التي كان لها الفضل في أن يكونوا حكام للعراق وهذا ما يزعج صانع القرار ليس فقط فيها انما حتى صانع القرار الأوروبي والآسيوي الذي مهما كان مختلفاً معها في قضايا كثيرة لكنه سيشاركها القرار فيما اذا كانت تتجه صوب ضبط الأمن والحقوق والحريات، بالتالي فان العقاب هذه المرة لن يكون عسكرياً لكنه قد يكون اقتصادياً خانقاً يعزز رغبة الشعب من الخلاص من طبقته الحاكمة، والأصعب أن يعتمد طرف على الحلول الاميركية للخلاص لأن النتائج دائما تقول إن الاميركان حليف غير صادق في إعطاء أي حلول تصب في مصلحة دولة ما دون أن يكون لها الفائدة الأكبر من هذه الحلول.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

النمسا تهزم بولندا بثلاثية في يورو 2024

حاولوا قتل شخص.. الداخلية تلقي القبض متهمين أثنين في بغداد

الاتصالات: العراق ينجح في استعادة عضويته لدى اتحاد البريد العالمي

هل يكتب ميسي سطوره الاخيرة في مسيرته الكروية؟

في العراق.. درجات الحرارة المحسوسة غدا تلامس الـ 65 درجة مئوية

ملحق منارات

الأكثر قراءة

المتفرجون أعلاه

جينز وقبعة وخطاب تحريضي

تأميم ساحة التحرير

زوجة أحمد القبانجي

الخارج ضد "اصلاحات دارون"

العمودالثامن: "فاشوش" جمهوري!!

 علي حسين قبل عام بالتمام والكمال خرج علينا رئيس الجمهورية وراعي الدستور معلناً سحب المرسوم الجمهوري الخاص بتعيين الكاردينال لويس ساكو، بطريركاً على الكنيسة الكلدانية في العراق، وكان فخامته ينوي وضع السيد ريان...
علي حسين

كلاكيت: عن أفلام الطريق

 علاء المفرجي أفلام الطريق كنوع سينمائي، فيما يتعلق بشخصياتها وقصصها وشكلها وأفكارها؟ فأفلام الطريق قاموسيا هي تلك الأفلام التي تغادر فيها الشخصيات مكانها في رحلة على الطريق، وما تصادفه في هذا الطريق من...
علاء المفرجي

برعوشا – بيروسوس: التاريخ دول وأحداث متعاقبة تقودها العناية الإلهية

د. حسين الهنداوي (6)ظلت المعلومات حول الحضارات العراقية القديمة بائسة الى حد مذهل قبل التمكن من فك رموز الكتابة المسمارية على يد هنري رولنسون في منتصف القرن التاسع عشر، والتمكن بالتالي، ولأول مرة بعد...
د. حسين الهنداوي

يا أهل الثَّقافة والإعلام.. رفقاً بالألقاب

رشيد الخيون إن نسيت فلا أنسى اعتراض صاحب سيارة الأجرة، المنطلقة مِن عدن إلى صنعاء(1991)، والعادة تُسجل أسماء المسافرين، خشية السُّقوط مِن الجبال في الوديان، على أحد الرُّكاب وقد كتب «الدُّكتور» فلان. اعترض قائلاً:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram