اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: فنجان دار صيني

قناطر: فنجان دار صيني

نشر في: 25 أغسطس, 2020: 06:56 م

 طالب عبد العزيز

ينصحني ابني بشراب (القرفة) الدار صيني، ويقول بأنه يجعل الدم قلوياً، وبما ينفع في مقاومة الكورونا، التي باتت الأقرب إلينا، بعد إصابة الكثير من الأهل والأصدقاء بها، فأستجيب له.

وفي خلوة صغيرة مع النفس، في لحظة استذكار سريعة جداً، وجدتني أسرح مع رائحة الشراب اللذيذ هذا الى أيام الطفولة ، الى مأتم بيت سيد فهد، والعلوية أم سيد جاسم، حيث تكون وشيجة العاشوراء مع شراب الدارصيني واحدة مما يقودني ويحلمني الى هناك، في سكة القصب والسعف الضيقة، أمام بائعات الباقلاء بالبطنج واللبلبي بالفلفل الحار والكماتيل بالسمسم والدبس .. هناك يبلغ الحسين عندي نقطته الأقرب في العين، وتصعد المعاني السامية للشهادة سلمها الخفي في الروح، دونما سوط من أحد، هناك، وسيكون للدمع معنى آخر ساعة تكون وحيداً، في مأتم لا يقدم أصحابه الدار صيني. 

لا يروي ظمأناً فنجان واحد أبداً، ولماذا نكتفي بواحد؟ وإبريق الدارصيني أكبر مما نتخيله، فقد هالني حجم الابريق حقاً، كان أكبر من رأس أيٍّ منا، ياترى، ماذا لو اتفقنا، نحن مجموعة الصبية على اللحاق بالمرأة الى الموقد، هناك، بين الحطب والرماد والفناجين الكثيرة، وطلبنا منها المزيد من الفناجين، أو شاغلناها إن رفضت، وتركت الأبريق لنا بكامل مضمونه، ياه، أهناك شراب أجمل من هذا الأصفر ذي الخيط الحريف الحلو؟

منذ السنوات الغابرة تلك ارتبط شراب الدارصيني بالعاشوراء في ذاكرتي. وصرت أبحث عن مأتم قريب كلما قدّم أحدهم لي فنجاناً منه، حتى أنني في مستحم النسوة، بالبصرة القديمة، يوم اخذتني امي الى هناك، فوجئت بفنجان الدارصيني أمامها، لكنني، أحسست بشيء ما مفقود، هناك خلل في تأثيث المكان، إذ لم يكن مجلس النسوة حوالي صاحبة المستحم مجلساً للعزاء، كما كنت أراه في مأتم أم سيد جاسم، فعلام الدارصيني ؟ وكل النسوة اللواتي خرجن من الحجرات الصغيرة وغيمة البخار الى مجلسنا لم يكنَّ نادباتٍ باكياتِ، إنما جميلات، باسمات ببشرة وردية، فيهن من لم ترتدي ثيابها بعد، وغيرهن اشتملن بقليل منه. ولقطرات الماء التي تسقط من أجسادهن على الآجر رنة جرس كنسي. أقول: للجسد الانثوي هنا معنى مختلف تماماً، ومن حافظات الثياب تضوع روائح صابون الغار واللبان والعطر القادم من ليل الأسرة البعيد، كان المشهد باذخاً، لكنني، لم أجد في رائحة وطعم الدارصيني ما يذكرني بالمأتم، هناك خلل في تأثيث المكان، ومغالاة في وضع الصورة أعلى المستحم

لا اجدني بين زمنين تجاذبا الصور والروائح، أتامل فنجان الدارصيني الذي نصحني ابني به في اتقاء الكورونا، وفي ذاكرتي الفنجان الاول الذي تبعت خيطه الى الموقد، حيث الحطب والرماد والفناجين الكثيرة، هناك، حيث تجتمع نسوة القرية، يبحثن في قلبوب بعضهن عن حسين لم يقتل بعد، عن طفل جميل لم يرضيعنه، عن أخت شبيهة لهنَّ اسمها زينب لم يواسينها بما يجب... وبين هذه وتلك، يبقى معول الأيام عاجزاً عن قطع شجرة الطفولة، إذ، كل ذئاب الأرض لن تهزم ضحكة في مهد، ومن ليل الغربة والظلمات أكتفي بقميصي الأبيض هادياً الى البيت.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

النمسا تهزم بولندا بثلاثية في يورو 2024

حاولوا قتل شخص.. الداخلية تلقي القبض متهمين أثنين في بغداد

الاتصالات: العراق ينجح في استعادة عضويته لدى اتحاد البريد العالمي

هل يكتب ميسي سطوره الاخيرة في مسيرته الكروية؟

في العراق.. درجات الحرارة المحسوسة غدا تلامس الـ 65 درجة مئوية

ملحق منارات

الأكثر قراءة

المتفرجون أعلاه

جينز وقبعة وخطاب تحريضي

تأميم ساحة التحرير

زوجة أحمد القبانجي

الخارج ضد "اصلاحات دارون"

العمودالثامن: "فاشوش" جمهوري!!

 علي حسين قبل عام بالتمام والكمال خرج علينا رئيس الجمهورية وراعي الدستور معلناً سحب المرسوم الجمهوري الخاص بتعيين الكاردينال لويس ساكو، بطريركاً على الكنيسة الكلدانية في العراق، وكان فخامته ينوي وضع السيد ريان...
علي حسين

كلاكيت: عن أفلام الطريق

 علاء المفرجي أفلام الطريق كنوع سينمائي، فيما يتعلق بشخصياتها وقصصها وشكلها وأفكارها؟ فأفلام الطريق قاموسيا هي تلك الأفلام التي تغادر فيها الشخصيات مكانها في رحلة على الطريق، وما تصادفه في هذا الطريق من...
علاء المفرجي

برعوشا – بيروسوس: التاريخ دول وأحداث متعاقبة تقودها العناية الإلهية

د. حسين الهنداوي (6)ظلت المعلومات حول الحضارات العراقية القديمة بائسة الى حد مذهل قبل التمكن من فك رموز الكتابة المسمارية على يد هنري رولنسون في منتصف القرن التاسع عشر، والتمكن بالتالي، ولأول مرة بعد...
د. حسين الهنداوي

يا أهل الثَّقافة والإعلام.. رفقاً بالألقاب

رشيد الخيون إن نسيت فلا أنسى اعتراض صاحب سيارة الأجرة، المنطلقة مِن عدن إلى صنعاء(1991)، والعادة تُسجل أسماء المسافرين، خشية السُّقوط مِن الجبال في الوديان، على أحد الرُّكاب وقد كتب «الدُّكتور» فلان. اعترض قائلاً:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram