اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > نظرية الدولة بين ابن خلدون وهيغل - 4 -

نظرية الدولة بين ابن خلدون وهيغل - 4 -

نشر في: 25 أغسطس, 2020: 06:58 م

ما بين تيمورلنك ونابليون

 د. حسين الهنداوي

الاستنتاج الأساسي الذي نخرج به في نهاية بحث عن أدلة تثبت تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة لابن خلدون على هيغل هو أن هذا الفيلسوف الألماني ، لم يكن في إمكانه أن يذكر ابن خلدون، حتى إذا كان قد اطلع، فعلاً، على نصوصه أو عرف أفكاره، بشكل مباشر أو غير مباشر.

ذلك لأن رأيه حول الفكر التاريخي العربي الإسلامي، لم يكن له أن يكون إلا اعتباطياً ومتهافتاً كلياً، ونقصد تأكيده على أن هذا الفكر، ظل بسيطاً، رغم عراقة اشتغال العرب والمسلمين في هذا المضمار. إذ يجد تفسيره العميق في مضمون فلسفة التاريخ الهيغلية نفسها، وليس في قلة أو نقص معلوماته، في هذا المجال. بكلمة أخرى، وبالانسجام تماماً مع فلسفته حول الروح وحول التاريخ، لم يشأ هيغل أن يعترف للعقل العربي الإسلامي، كعقل شرقي، بإمكانية أي إبداع أصيل، في أي ميدان فلسفي، واستطراداً في الفكر النظري حول التاريخ، لاسيما أن ربطه نمط كتابة التاريخ بنمط الدولة، يجبره على ذلك. فهو ينطلق، أصلاً، من حكم مسبق، مفاده أن النظر الفلسفي إلى التاريخ، لا ينسجم، ولا يمكن أن يوجد في ظل الدولة الاستبدادية، وهي فكرة نجدها لدى مونتسكيو وهيردر، قبله. ففي «روح القوانين»، يؤكد مونتسكيو «أن المؤرخين، في ظل الدولة الاستبدادية، عشوائيون، ويخونون الحقيقة، بالضروة، لأنهم يخافون قولها» كما كتب ماكس هوريكهايمر في كتابه "بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية". وهذا ينطبق، بشكل خاص، على الدولة الإسلامية، لأنها لديه، دولة استبدادية، بالضرورة، بموجب نظريته الخاصة بالعلاقة بين شكل الحكم السياسي وبين المناخ. أما الفيلسوف الألماني، هيردر، فإنه، ورغم رفضه لنظرية المناخ هذه. يشارك مونتسكيو الرأي فيما يتعلق بالمؤرخين العرب والمسلمين. صحيح جداً، بالنسبة إلى هيردر، أن الحضارة الإسلامية هي حضارة عظيمة المنجزات، في ميادين العلوم والآداب والفلسفة، إلا أن الأمر، ليس كذلك في ميدان علم التاريخ. فالمؤرخون العرب والمسلمون، في نظره، لم يحققوا شيئاً يذكر، في تطوير هذا الضرب من الإبداع، وظلوا أقل أصالة من الإغريق والرومان السابقين عليهم. أما السبب، فذلك، بحسب رأيه، لأنهم «لم يكونوا يعيشون في دول حرة، وبالتالي، ظلت تحليلاتهم للأحداث بعيدة عن الموضوعية، وغير مفيدة عموماً» كما يرى مونتسكيو في "روح الشرائع".

تبقى إشارة أخيرة، هي بمثابة توضيح لمن يجد أننا لجأنا، في هذا البحث، إلى الكثير من التعسف، في محاولتنا إيجاد علاقة تأثير لابن خلدون في هيغل، بأي ثمن، متغافلين عن حقيقة وجود خلافات جوهرية وعميقة بين فكر الاثنين. كجواب على ذلك، نقدم الملاحظات التالية:

إذا كان تأثير ابن خلدون في هيغل، تأثيراً أكيداً، لدينا، فإننا نجد هذا التأثير مقتصراً على جانب واحد من جوانب الفلسفة الهيغلية، أي الخاص بالتاريخ. لكن هذا التأثير يتمثل، بالنسبة إلينا، في عملية استلهام واستفادة، وليس اقتباساً فجاً. فمهما أخذ هيغل عن ابن خلدون، تظل فلسفة التاريخ الهيغلية ذات شخصية متميزة. ونعترف أيضاً بأن هاتين الفلسفتين، إذ تلتقيان فيما بينهما حول الكثير من المفاهيم الجوهرية المشتركة، فإنهما تختلفان كلياً في خصوص غيرها من الجوانب المهمة. وعموماً، فإنهما مستقلتان تماماً عن بعضهما بعضاً، على صعيد الروحية العامة والشمولية والنبرة، وهذه الاستقلالية، تبدو لنا طبيعية جداً، نظراً إلى أنها تعبر، في شكل أو في آخر، عن حقيقة أن ابن خلدون وهيغل نتاجان أمينان لثقافتين مختلفتين بشكل كبير، وربما على أهم الأصعدة.

صحيح أن التمايزات بينهما، تأخذ أحياناً طابع التضاد ظاهرياً، وتعطي ابن خلدون، عن غير حق، بلاشك، طابع المتشائم الناقم على قومه، والمنطوي على محليته، أو حتى «المحافظ»، في حين تعطي هيغل طابع المفكر الإنساني المستقبلي، المنفتح على العالمية والتقدم. إلا إننا نرى هذه التمايزات جوهرية، فعلاً، انما تعبر عن مجمل حركية وتناقضات عصرين متميزين وحالتين اجتماعيتين – تاريخيتين مختلفتين. فكلاهما، في رأينا، محلي وعالمي، في الوقت نفسه، وكلاهما منطو ومنفتح، تقدمي ومحافظ، في آن. أما التضاد الظاهر بينهما، فإنه متأتِّ، في الواقع، من كونهما شاهدين عبقريين لحالتين تاريخيتين متعاكستين.

فابن خلدون، هو شاهد حضارة إسلامية، كانت تعاني أزمة عميقة وحال احتضار، بعد قرون طويلة من الحيوية والإبداع والمجد، نجحت خلالها في أن تكون مركز الاشعاع الحضاري عالمياً. ليس غريباً، إذن، أن نجده مثقلاً بالمرارة والنقمة على قومه، عندما وجدهم غارقين في نزاعاتهم الداخلية وصراعاتهم العميقة، راضخين لطغاة من البدو، أجمل ما فيهم دميم. بينما يرى بأم عينه سقوط دولة المغرب، من جانب، وانهيار دولة المشرق، من جانب آخر، تحت أقدام الجيوش الأجنبية المسيحية الإسبانية والتترية. إذ يجب ألا ننسى أن ابن خلدون، كان شاهداً مباشراً على هذا السقوط وذلك الانهيار. كما كان الوحيد، بين كبار المفكرين المسلمين، الذين وقعوا في أسر تيمورلنك، أمبراطور الخراب، عندما كان هذا متجهاً على رأس جيشه لتدمير المغرب، بعد أن انتهى، لتوه، من دك بغداد وكل المشرق دكاً، محولاً تلك الحضارة الزاهية إلى ركام من الخرائب، بينما أهلها في بؤسهم سادرون. و«مستوحشاً من الدولة»، راح ابن خلدون يتأمل تاريخ الحضارة العربية الإسلامية والتاريخ البشري. إذن، ففي ظروف أزمة عميقة لـ«العمران المدني»، ولدت فلسفة التاريخ الخلدونية، بدت فيها الحضارة صفراء ممزقة، وبربرية من الداخل، ومهددة مهزومة من الخارج. لذلك، كان طبيعياً أن تأتي هذه الفلسفة مشبعة بالغصّة والمرارة والنقد حيال الحضارة نفسها، التي أنجبتها في واحدة من رعشات حيويتها الأخيرة، والتي فارقت الحياة بعدها، وإلى الأبد، كما يتراءى إلى الآن.

أما فلسفة التاريخ الهيغلية، فلقد ولدت في ظرف حضاري مختلف جذرياً. فلقد ظهرت في فترة، كانت الثورة الفرنسية قد صفّت الحساب مع الملكية الاستبدادية والنظام الاجتماعي القديم، وبشرت بالأولوية المطلقة للمجتمع المدني وحقوق الإنسان، على الدولة والكنيسة، وهيغل، هو الآخر، شاهد الأمبراطور، لكنه ليس إمبراطور خراب، كتيمورلنك، إنما نابليون بونابرت، القائد الذي كان يردد أن «أوروبا العجوز تزعجني»، فانطلق يوقظها، ويوحدها، ويؤسس لها المستقبل الجديد. فلا عجب، إذن، أن تأتي الفلسفة الهيغلية مشبعة بالأمل والاندفاع والانفتاح، نحو العالمية والشمولية، وغيرها من المظاهر، التي تعبر، في الجوهر، عن انطلاق الذاتية الغربية لتفرض هيمنتها العالمية، وتحقيق منظورها الخاص للكون.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

خارطة بتوزيع العاصفة الغبارية في العراق

السوداني يتابع شخصياً خطة العيد: وفرنا التكنولوجيا الحديثة لتغطية مناطق بغداد

إدارة الجوية تقيل أوديشو وتسمي بديله

إيران: 30 عنصراً من داعش في قبضتنا

العراق يباشر باخضاع المسافرين "لفحص الايدز" 

ملحق منارات

الأكثر قراءة

المتفرجون أعلاه

جينز وقبعة وخطاب تحريضي

تأميم ساحة التحرير

زوجة أحمد القبانجي

الخارج ضد "اصلاحات دارون"

العمودالثامن: "فاشوش" جمهوري!!

 علي حسين قبل عام بالتمام والكمال خرج علينا رئيس الجمهورية وراعي الدستور معلناً سحب المرسوم الجمهوري الخاص بتعيين الكاردينال لويس ساكو، بطريركاً على الكنيسة الكلدانية في العراق، وكان فخامته ينوي وضع السيد ريان...
علي حسين

كلاكيت: عن أفلام الطريق

 علاء المفرجي أفلام الطريق كنوع سينمائي، فيما يتعلق بشخصياتها وقصصها وشكلها وأفكارها؟ فأفلام الطريق قاموسيا هي تلك الأفلام التي تغادر فيها الشخصيات مكانها في رحلة على الطريق، وما تصادفه في هذا الطريق من...
علاء المفرجي

برعوشا – بيروسوس: التاريخ دول وأحداث متعاقبة تقودها العناية الإلهية

د. حسين الهنداوي (6)ظلت المعلومات حول الحضارات العراقية القديمة بائسة الى حد مذهل قبل التمكن من فك رموز الكتابة المسمارية على يد هنري رولنسون في منتصف القرن التاسع عشر، والتمكن بالتالي، ولأول مرة بعد...
د. حسين الهنداوي

يا أهل الثَّقافة والإعلام.. رفقاً بالألقاب

رشيد الخيون إن نسيت فلا أنسى اعتراض صاحب سيارة الأجرة، المنطلقة مِن عدن إلى صنعاء(1991)، والعادة تُسجل أسماء المسافرين، خشية السُّقوط مِن الجبال في الوديان، على أحد الرُّكاب وقد كتب «الدُّكتور» فلان. اعترض قائلاً:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram