اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > أسباب تعطيل القانون النافذ وعدم تطبيقه (القرار 141 لسنة 2002 إنموذجاً)

أسباب تعطيل القانون النافذ وعدم تطبيقه (القرار 141 لسنة 2002 إنموذجاً)

نشر في: 26 أغسطس, 2020: 06:54 م

 القاضي سالم روضان الموسوي

إن القانون حينما يصدر بعد مروره بآليات تشريعه الدستورية وبالشكل الصحيح، فأنه يرتب أثاره اعتباراَ من تاريخ نفاذه، وهذا هو السائد والسليم، فلا يجوز مخالفة نصوص التشريع التي تصبح نافذة إذا كان فيها إلزام بعمل معين أو الامتناع عن عمل معين،

كما يجب الالتزام بأحكامها إذا ما تضمنت قواعد تنظيمية أو خلقت مراكز قانونية جديدة، نفاذها هو تاريخ بدء سريان أثار تلك النصوص، لكن نجد أن بعض هذه النصوص القانونية، قد استوفت كل آليات إصدارها وأصبحت نافذة وإنها ملزمة للجميع، لكن لا يعمل بها مع بقاء وجودها،

وهذا ما يسمى بتعطيل النص التشريعي أي إن النص موجود بوصفه كياناً في جسد المنظومة التشريعية، إلا أنه غير فاعل في الحياة العامة واليومية، ولا يلتفت إلى أحكامه سواء من المكلف بتطبيقه أو من المكلف بتنفيذه، وأسباب هذا التعطيل متعددة منها قانوني ودستوري ومنها يعود إلى عزوف الجهات المكلفة بتطبيقه عن العمل به، وسأذكر بعض هذه الأسباب على وفق الآتي :

1. التعطيل القانوني: صدور قانون لاحق يعطل نصاً قانونياً سابقاً ومثال ذلك يصدر القانون الجديد ويتضمن حكما جديداً يخالف حكماً قانونياً سابقاً لكنه لا يشير إليه بصريح العبارة على إلغائه أو تعطيله، وإنما يردف النص بعبارة ولا يعمل بأي نص يتعارض وأحكام هذا القانون ولأنه لاحق فإن أي نص سابق يتعارض وأحكامه يعد معطلاً ولا يعتد به.

2. التعطيل القضائي: صدور حكم من القضاء الدستوري بعدم دستورية النص القانوني، وفي هذه الحالة يبقى النص قائماً لكنه معطل بموجب هذا الحكم ولا يجوز العمل به ويرى المختصون بالقضاء الدستوري بأن الحكم بعدم الدستورية يؤدي إلى الامتناع عن تطبيق النص من دون إلغائه فقط، أي يقتصر أثر هذا الحكم على عدم جواز تطبيق النص على الوقائع والمراكز القانونية التي نظمها ، فالمحكمة تقرر عدم الدستورية فقط وتكتفي ولا تصدر حكماً بإلغاء القانون المحكوم بعدم دستوريته ويبقى القانون من الناحية النظرية المجردة قائماً حتى يلغيه المشرع.

3. التعطيل بحكم تبدل الظروف : أحياناً يكون النص القانوني معطلاً لأن الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية قد تغيرت وأصبح ذلك النص غير ذي جدوى ولا يتناسب مع الظرف الجديد لأنه صدر في ظل ظروف سابقة تختلف أو إنها تغيرت ومن الأمثلة على ذلك نص المادة (242/2) مدني ( فلو سقط من شخص لؤلؤة التقطتها دجاج فصاحب اللؤلؤة يأخذ الدجاجة ويعطي قيمتها)

4. التعطيل من الجهات المكلفة بتطبيقه : و يكون بإهمال تطبيق النص القانوني من قبل الجهات المكلفة بتطبيقه وسأعرض لمثال من هذه الصورة وبشكل مفصل حيث نجد كثيراً من النصوص القانونية معطلة ليس لأنها ملغاة بنص تشريعي لاحق أو بحكم قضائي من المحكمة الدستورية وإنما الجهة المختصة المكلفة بتطبيقه تتجاهله إما عمداً أو سهواً ، لأنه غير قابل للتطبيق أصلاً بسبب صياغته التشريعية أو لأن الظروف المحيطة به تعيق تطبيقه ومثال ذلك قانون التوقيع الالكتروني والمعاملات الالكترونية رقم 78 لسنة 2012 فأنه نافذ وتوجد تراخيص للشركات المكلفة به لكنه معطل فعلياً من قبل جميع الجهات ذات العلاقة.

لذلك فإن القوانين الصادرة وإن اكتسبت شكلها النهائي على وفق الآليات الدستورية إلا أنها أحياناً تبقى معطلة وغير فاعلة ولا يلتفت إليها ، وسأذكر مثالاً على ذلك يتمثل في وجود قرار لمجلس قيادة الثورة المنحل رقم 141 لسنة 2002 صادر بتاريخ 31/7/2002 وهو يتعلق بآليات التقاضي وعمل المحاكم في التعامل مع الحقوق العائدة للدولة، إلا أنه لم يفعل ولم يعمل به لغاية الآن وأرى أنه أصلاً غير قابل للتطبيق بسبب عدم إمكانية تطبيقه لتعارضه مع أهم مبدأ في العمل القضائي، وهو حياد القاضي عند نظر الدعوى وعدم ميله إلى أي طرف من أطراف الدعوى التي ينظرها مهما كانت تلك الجهة، لأن هذا القرار أتى بمبدأ جديد وغريب على المنظومة التشريعية وهو وجوب قيام القاضي بالطلب من أي جهة حكومية لمطالبة بحقها إذا ما وجد أن لها حقاً وذلك من خلال نظر دعوى لم تكن تلك الجهة ممثلة فيها وألزم الادعاء العام أن يبادر إلى تحريك الدعوى خلال فترة محددة وأرى أن في هذا القرار صياغات غير دقيقة تثير الإشكال عند تطبيقه وفي أدناه نص القرار ومن ثم سأوضح أهم معوقات تطبيقه .

قرار رقم 141 لسنة 2002 ( استنادا إلى أحكام الفقرة ا من المادة الثانية والأربعين من الدستور،

قرر مجلس قيادة الثورة ما يأتي :أولا - 1 – اذا توصل القاضي من خلال دعوى معروضة عليه الى وجود حق للدولة جرى التجاوز عليه أو عدم الوفاء به فعليه إصدار قرار بدعوة الجهة المتجاوز على حقها للمطالبة به 2- على الجهة المتجاوز على حقها إقامة الدعوى للمطالبة به أمام المحكمة المختصة خلال 15 خمسة عشر يوماً من تاريخ تبلغها بقرار المحكمة بدعوتها للمطالبة بالحق.

3- لعضو الادعاء العام تحقق حالة من الحالات المنصوص عليها في الفقرة 1 من هذا البند تحريك الدعوى بالتنسيق مع الجهة مالكة الحق. ثانياً - 1 – يشكل وزير العدل هيئة في مركز الوزارة لدراسة الأحكام الصادرة وفق البند أولاً من هذا القرار لتقويم عمل القاضي أو عضو الادعاء العام والآثار المالية المترتبة عليه لمصلحة الدولة ورفع توصية بذلك الى وزير العدل 3- يرفع وزير العدل توصية اللجنة إلى ديوان الرئاسة مشفوعة برأيه في تكريم القاضي أو عضو الادعاء العام ثالثاً - لوزير العدل إصدار تعليمات لتسهيل تنفيذ أحكام هذا القرار. رابعاً - ينفذ هذا القرار من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.)

وأرى في هذا القرار عدة إشكالات في الصياغة منها الآتي : 

1. انه أشار إلى تحريك الدعوى وفي قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل لم ترد هذه العبارة وإنما استخدم الفعل أقام ومشتقاته ومنها (تقام الدعوى أو إقامة الدعوى) بينما نجد أنه استخدم عبارة تحريك الدعوى الجزائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل.

2. إن الطلب من القاضي تحريك الدعوى في هذا القرار، أرى بأن ينصرف إلى الدعوى المدنية وليس الدعوى الجزائية لأن قانون أصول المحاكمات الجزائية يتضمن نص يوجب على القاضي أو الادعاء العام أو أي شخص مكلف بخدمة عامة بالإبلاغ عن أي اعتداء على المال العام فضلاً عن نصوص أخرى في قوانين متعددة أخرى، إذا ما لحق علمه بوقوع جريمة ومنها التي تقع على الأموال العامة وعلى وفق نص المادة (1/آ) والمادتين (47 و 48) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل ، أضف إلى ذلك بأن تحريك الشكوى لم يحدد بزمن معين لعدم وجود تقادم في الدعوى الجزائية العمومية والتي تقع على المال العام ، بينما في القرار 141 لسنة 2002 قد حدد مدة(15) يوماً لغرض تحريك الدعوى وهذا التحديد له وجود في قانون المرافعات المدنية مما يؤشر على أن النص كان معني بإجراءات التقاضي في الدعوى المدنية وليس الجزائية.

3. إن هذا القرار يتقاطع مع أهم مبدأ في العمل القضائي وهو حياد القاضي بمعنى أن يكون القاضي متخذاً موقع المحايد بين الخصوم في النزاع الذي يعرض أمامه، فكيف له أن يطلب من جهة أخرى أن تطالب بحقوقها وهو ينظر في خصومة بين الأطراف فان ذلك يعد ميلاً وانحيازاً لتلك الجهة حتى وإن كانت الدولة لأن القضاء سلطة وليس وظيفة والدولة غير عاجزة عن حماية حقوقها عبر الوسائل القانونية والقضائية ولديها الكوادر الحقوقية التي تعمل بهذا المضمار

4. إنه يتقاطع مع مبدأ المساواة الذي أقره الدستور العراقي النافذ لعام 2005 الوارد في المادة (14) وعند قيام القانون (قرار مجلس قيادة الثورة المنحل) بتفضيل الدولة على المواطن فانه قد خرق هذا المبدأ، لأن القاضي لا يملك صلاحية الطلب من شخص آخر بالمطالبة بحقه وإن فعل ذلك أثناء نظر الدعوة فإنه يعد مرتكباً لخرق في قواعد السلوك القضائي.

5. عندما نص قانون المرافعات المدنية على الحق بالدخول بصفة شخص ثالث في الدعوى على وفق أحكام المادة (69) من قانون المرافعات المدنية فإن القاضي لا يملك الصلاحية في القيام بذلك من تلقاء نفسه وإنما للخصوم فقط ، باستثناء حال الاستيضاح أو دعوة الوديع والمودع والمستعير والمعير والمستأجر والمؤجر والمرتهن والراهن والغاصب والمغصوب منه عند نظر دعوى الوديعة على الوديع والمستعار على المستعير والمؤجر على المستأجر والمرهون على المرتهن والمغصوب على الغاصب وعلى وفق أحكام المادة (69/3) مرافعات

لذلك فإن القرار 141 لسنة 2002 مازال نافذاً لكنه معطل بإرادة المطبق للقانون ولم تلتفت إليه المحاكم ولا القضاة لأنه غير قابل للتطبيق في ظل المنظومة التشريعية في العراق وهذا النص بحاجة إلى معالجة تشريعية أو عبر القضاء الدستوري، لأن وجوده يثير اللبس والغموض حيث وجدت بعض الأشخاص يطالبون بتفعيله وصرح بذلك أحد السياسيين بشكل صريح في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يكون ملماً بالمعرفة القانونية التي توضح أسباب عدم إمكانية تفعيله وعلى وفق ما تم ذكره آنفاً.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. حسام

    مقال ررائع من قاضي رائع ,اسهمت مقالاته المهمة باثراء الفكر القاونيفي العراق

يحدث الآن

‏اندلاع حريق بمجمع سكني قيد الإنشاء في اربيل

برشلونة يقترب من العودة إلى قاعدة 1/1

وزير الهجرة تحدد موعد غلق مخيمات السليمانية

في مدينة بسماية.. إعفاء مدير في بغداد تسبب بفقدان 1000 ميغاواط (وثيقة)

 اسايش السليمانية تطيح بعصابة تعمل بورشة لحام سيارات تخلو من الأوراق الثبوتية

ملحق منارات

الأكثر قراءة

المتفرجون أعلاه

جينز وقبعة وخطاب تحريضي

تأميم ساحة التحرير

زوجة أحمد القبانجي

الخارج ضد "اصلاحات دارون"

العمودالثامن: "فاشوش" جمهوري!!

 علي حسين قبل عام بالتمام والكمال خرج علينا رئيس الجمهورية وراعي الدستور معلناً سحب المرسوم الجمهوري الخاص بتعيين الكاردينال لويس ساكو، بطريركاً على الكنيسة الكلدانية في العراق، وكان فخامته ينوي وضع السيد ريان...
علي حسين

كلاكيت: عن أفلام الطريق

 علاء المفرجي أفلام الطريق كنوع سينمائي، فيما يتعلق بشخصياتها وقصصها وشكلها وأفكارها؟ فأفلام الطريق قاموسيا هي تلك الأفلام التي تغادر فيها الشخصيات مكانها في رحلة على الطريق، وما تصادفه في هذا الطريق من...
علاء المفرجي

برعوشا – بيروسوس: التاريخ دول وأحداث متعاقبة تقودها العناية الإلهية

د. حسين الهنداوي (6)ظلت المعلومات حول الحضارات العراقية القديمة بائسة الى حد مذهل قبل التمكن من فك رموز الكتابة المسمارية على يد هنري رولنسون في منتصف القرن التاسع عشر، والتمكن بالتالي، ولأول مرة بعد...
د. حسين الهنداوي

يا أهل الثَّقافة والإعلام.. رفقاً بالألقاب

رشيد الخيون إن نسيت فلا أنسى اعتراض صاحب سيارة الأجرة، المنطلقة مِن عدن إلى صنعاء(1991)، والعادة تُسجل أسماء المسافرين، خشية السُّقوط مِن الجبال في الوديان، على أحد الرُّكاب وقد كتب «الدُّكتور» فلان. اعترض قائلاً:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram