اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > ملحق اوراق > سيماء كتاب

سيماء كتاب

نشر في: 12 يونيو, 2010: 04:35 م

محمد خضيريروى عن الشاعر المتنبي انه كان واقفاً في دكان وراق بالكوفة، حين احضر رجل كتابا من كتب الاصمعي في نحو ثلاثين ورقة لبيعه، فأخذه المتنبي ونظر فيه طويلاً حتى حفظه.. ولما استبطأ الرجل كتابه واستبعد ان يحفظه المتنبي في ظلة الدكان، تلاه الشاعر عن اخره على مسامعه ، فأعجب صاحب الكتاب بمحافظة المتنبي وأهداه اليه ولم يبعه.
 كانت ذاكرة المتنبي ركناً من ذاكرة سوق استوعبت علامات الاف الكتب والاسفار التي كان الخزنة والتجار يبحثون عنها ليضموها الى ذاكرة خزانة اكبر، او ليوزعها على ذاكرات اسواق تتردد في اروقتها ارجاع من مزادات لاتهدأ أصواتها. تعرف سوق الكتب اليوم في بغداد بسوق المتنبي.. وتقع في موقع سوق الوراقين القديم في محلة باب الطاق بجانب الرصافة الشرقي من نهر دجلة، متفرعة من اسواق الحي التجاري الرئيس واشهرها سوق الثلاثاء واسواق الصاغة والعطور والمنسوجات والاساكفة، والمنظر لم يتغير كثيرا اليوم في بغداد عقدة الاسواق، ونهاية المآرب، ومجمع المصادر المتكلمة والصامتة، ومثال النفاسة، ومبذل الاموال لشراء امهات الكتبن فقد كانت ايضا سوق الكساد والضياع والعطالة في اوقات الحاجة والحرب والوباء والفيضان والمصادرة مثل غيرها من اسواق الكتب، اشترى ابن سينا كتاب (مابعد الطبيعة) من دلال في سوق الوراقين، بثمن بخس قدره ثلاثة دراهم، وحضر العلامة سراج الدين البلقيني مزاداً للكتب في وقت الطاعون فاشترى (مسند) الامام احمد بن حنبل بثلاثين درهما، وممن بيعت كتبهم بعد وفاتهم ثعلب النحوي وابن القيم الجوزية وقاضي قرطبة ابن المطرف.. وروى القفطي والمقريزي روايتين عن تداول الكتب في ايام عزها وذلها.. فالاول حضر مزاداً في سوق مصر وراى الناس يتزاحمون على شراء الكتاب اذا كان مخطوطاً بقلم نساخ مجود بدعى (النجيرمي) اما الثاني فروى عن شاهد عيان المصير المؤلم الذي انتهت اليه مكتبة الفاطميين العظيمة وقد طرحت مجلداتهما فوق تلة فتناهب الجند والدهماء جلودها ليعملوا منها سروجا ونعالا، فيما استولى الدلالون، على انفسها، وذابت بقيتها في خزانات المكتبات الخاصة. بين مصائر متناقضة شتى لمطابع الكتب وخزائنها، وعقب نوائب عديدة هدمت المكتبات التجارية الكبرى في شارع المتنبي، نشأت سوق لبيع الكتب تعرض على جانبيها ما تبقى من هذه المكتبات، تبلغ أوجها في يوم الجمعة، وتجدد مصادرها من الكتب المصورة على اجهزة الاستنساخ ، خرج الكتاب من المكتبات الشائخة والذائبة والمنهوبة حاملاً معه علامات النسخ والطباعة والحيازة والتصنيف التي شكلت سيماءه الحافظة لنوعه المحرضة غريزة القارئ للبحث عنه واقتنائه..  لاتعوز "للقارئ المتجول" في سوق الكتب دوافع القراءة الحقة، كالبحث والتعرف والنقد، لكنه قد يلتفت الى نظام عرض المطبوعات وتناثرها بين الارصفة والاكشاك بفضول يفوق دوافع غيره من القراء.. ان بحث القارئ المتجول في حقيقته مقود بالاثار الرمزية التي طبعتها العلامة المميزة لدار النشر في ذاكرته القرائية.. فجعلت غريزة الكتاب اقوى غرائز التملك لديه. وحين تدرك عوامل التآكل والفناء  (الارضة، الحريق، السرقة ، التفسخ) خزانة هذا القارئ (الكتبي الخازن) فإن الوجود الرمزي للعلامة في فهارسه سيسهر على حماية كتابه من الزوال، ان أي كتاب ينمو وينتقل بالفيض السيميائي الذي يشع من طغرائه، علامته التي تحفظه في ذاكرة ابدية.. ان كتابا عن تاريخ الطباعة العربية (مثل كتاب الدكتور خليل صابات تاريخ الطباعة في المشرق العربي)، لابد لمؤلفه من ان يقرن مباهج الطباعة بترنيمات الرهبان (في مطباع الشرق الاولى) ونشوة تنضيد صفحة كتاب بأبخرة مسابك الحروف، وخبرة جيل من الطباعين والنقاشين بكفاح جيل من المؤلفين والمحققين، ولاشك ان غريزة القارئ تستدل على حياة كتاب من اقترانه بالعلامات الظاهرة التي تتصدره وتعلن عن هوية ناشريه، أي اقترانه بسيمائه التي تخلده. تفرش المطبعة والمكتبة والمعرض الامتداد البصري المتصل للكتاب. وبين هذه المراكز تدرج الذاكرة الانسانية، من المهد الى اللحد.. يولد الكتاب في المطبعة، ويشب في سوق الكتب ويكتهل في المكتبة، قبل ان يبلي ويذوي في الفهارس، فتكتمل النسخة العظمى لكتاب الحليفة الطباعية بين مشرقين ومغربين لايكفان عن التكرار الا ان هناك من يعتقد بأن الكتاب العظيم لا يبلى ولا يلحد، وانما هو ينسخ في كتاب اخر، وتتحول علاماته الطباعية  المميزة الى رموز هولوغرافية (ثلاثية الابعاد) في مراكو اتصال الخيمة الالكترونية الكونية، غير ان قولنا هنا يتمسك بعلامات الكتاب ثنائية الابععاد المستظهرة من المحفورات الحجرية والمعدنية وسطوح الاسطوانات الدوارة والصور الملس باعتبارها مجسات الاتصال الطباعي اللامركزي، الممتد من الجهاز العصبي المركزي للانسان، في مفهوم (مارشال ماكلوهان) عن وسائل الاتصال، كما نتمسك بعلامات كتاب واحد لابن سينا (النسخة الرعاقية) سنأتي على وصفها.  يتصل الكتاب بقارئه ويحثه على اقتنائه بعلامات تغريه وتستثير غريزيته القرائية فالبحث عن كتاب معروض في سوق الكتب وشرؤه غريزة توجهها علامات الكتاب التي تميز طباعته، ومادته وتحفظ نوعه تلك هي علامات السلاسل الشهيرة التي استمدت صورتها من الهلال، كما استمدتها من تم

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

النمسا تهزم بولندا بثلاثية في يورو 2024

حاولوا قتل شخص.. الداخلية تلقي القبض متهمين أثنين في بغداد

الاتصالات: العراق ينجح في استعادة عضويته لدى اتحاد البريد العالمي

هل يكتب ميسي سطوره الاخيرة في مسيرته الكروية؟

في العراق.. درجات الحرارة المحسوسة غدا تلامس الـ 65 درجة مئوية

ملحق منارات

الأكثر قراءة

روجيه فاديم يروي قصته مع بريجيت باردو:جسدها يتحدى قوانين الجاذبية الأرضية

10كتب هزت العالم: النظريات الرياضية.. اسحق نيوتن

العمدة في صناعة الشعر لابن رشيق

أحلام مستغانمي:أهي كتابات للنسيان أم لإنعاش الروح والذاكرة والوجدان؟

مذكرات جاك شيراك...أسرار عن القذافي وصدام

مقالات ذات صلة

دستويفسكي جوهر الروح الإنسانية

دستويفسكي جوهر الروح الإنسانية

لكن الفكرة المركزية التي سيطرت على دستويفسكي كانت الله والذي تبحث عنه شخصياته دائما من خلال الأخطاء المؤلمة والإذلال.يقول دستويفسكي على لسان الأمير فالكوفسكي في رواية مذلون مهانون (.... لكنك شاعر ,وأنا إنسان فان...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram